19. المشروع الثوري: طبقية، تنظيم، ممارسة


عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 8 / 29 - 04:54     

الجزء الأول: تفكيك البيروقراطية الحزبية وإعادة بناء القيادة البروليتارية

هيمنة البرجوازية الصغيرة داخل الحزب الثوري ليست خطراً ثانوياً يمكن تجاوزه بالمسكنات التنظيمية، بل هي الخطر الأكبر الذي يهدد جوهر الحزب باعتباره أداة الطبقة العاملة في معركتها التحررية. هذه الفئة، التي تتأرجح بطبيعتها بين الثورة والرجعية، تدخل الحزب محمّلة بميولها الانتهازية والفردية وتعيد إنتاج شبكات الولاء والعلاقات الشخصية داخله، فتجعل منه ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من أن يكون طليعة بروليتارية.

لينين حذّر بوضوح من أن البرجوازية الصغيرة تشكل "مصدرًا لا ينضب للانتهازية"، وهو ما أكّده التاريخ عندما انحرف الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني عام 1914 عن خط الثورة وصوّت لصالح الحرب الإمبريالية، تحت ضغط أيديولوجيا البرجوازية الصغيرة الإصلاحية والانتهازية. هذا المثال ليس حادثة معزولة، بل يعكس قانونًا تاريخيًا: كل حزب ثوري يفشل في حسم الصراع ضد البرجوازية الصغيرة في صفوفه محكوم عليه بالتفسخ والانحلال.

البرجوازية الصغيرة داخل الحزب ليست قوة محايدة أو "وجهة نظر أخرى"، بل هي وكيل موضوعي للبرجوازية الكبرى والإمبريالية، تتبنى خطاب التوفيق والمساومة، وتعمل على تفريغ البرنامج الثوري من محتواه الطبقي. إنها تعيد إنتاج البيروقراطية الحزبية، وتدفع نحو التحريفية، وتُلبس الانتهازية لبوس "الواقعية السياسية". بهذا المعنى، فإنها العدو الداخلي الأخطر، لأنها تضرب الحزب من الداخل وتشوه وعي قواعده وتفصل القيادة عن الطبقة العاملة.

إن مواجهة هذا الخطر لا تتحقق بقرارات إدارية أو محاكمات تنظيمية معزولة، بل عبر عملية نضالية متواصلة عنوانها تعميق الطابع البروليتاري للحزب: الانغراس في مواقع العمل والإنتاج، ربط القيادة بالقاعدة العمالية، تفكيك البيروقراطية الحزبية، وتحصين الوعي ضد كل أشكال التحريفية والإصلاحية. كما يقول غرامشي: "الأزمة تكمن في أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد"، وهذه الأزمة تتجسد داخل الحزب حينما يُترك المجال للبرجوازية الصغيرة لتملأ الفراغ الأيديولوجي والتنظيمي.

تظل المواجهة مع البرجوازية الصغيرة داخل الحزب شرطاً وجودياً لبقاء الحزب الثوري. فهي ليست خياراً تكتيكياً بل معركة حياة أو موت. إما أن ينجح الحزب في بناء قيادة بروليتارية حقيقية تقطع مع النزعة الصغيرة-البرجوازية والانتهازية، وإما أن يتحول إلى قشرة خاوية تُعيد إنتاج النظام القائم وتخون مهمته التاريخية.

"عدونا الرئيسي داخل الحركة هو الانتهازية"
فلاديمير إليتش لينين.

النضال مستمر،،