أوركجينا وعروة بن الورد: قراءة في التغييب التاريخي للإصلاحات ذات البعد الطبقي
ليث الجادر
2025 / 8 / 27 - 13:52
تاريخ المجتمعات البشرية زاخر بأمثلة عن شخصيات حملت مشروعًا إصلاحيًا أو ثوريًا هدفه مواجهة أنماط الاستغلال واللامساواة. غير أن الذاكرة التاريخية الرسمية كثيرًا ما تحتفي بالشخصيات التي تمثل سلطة مركزية أو مؤسسة، في حين تُهمَّش وتُغيَّب الشخصيات التي رفعت لواء العدالة الاجتماعية أو هددت البنية الطبقية السائدة.
من أبرز هذه النماذج المبكرة أوركجينا، ملك مدينة لاجاش السومرية، وعروة بن الورد، شاعر الصعاليك في العصر الجاهلي. كلاهما سعى بطريقته إلى حماية المهمَّشين ومواجهة عسف الطبقية، لكن حضور كل منهما في السردية العامة ظل هامشيًا مقارنة بغيره من الشخصيات الممجَّدة.
أولًا: إصلاحات أوركجينا في لاجاش
1. السياق التاريخي
حكم أوركجينا مدينة لاجاش في جنوب بلاد الرافدين حوالي 2350 ق.م. جاءت إصلاحاته في مرحلة كانت المدن السومرية تعيش صراعًا بين السلطة الدينية والسلطة الملكية، وسط تزايد نفوذ الكهنة والموظفين على حساب العامة.
2. مضمون الإصلاحات
أعلن أوركجينا مبدأ "أماغي" (ama-gi) الذي يعني "الحرية" أو "التحرر من العبودية"، ويُعدّ من أقدم الشواهد على مفهوم العدالة الاجتماعية.
من أبرز قراراته:
حماية الأرامل واليتامى من الاستغلال.
منع الكهنة والموظفين من الاستيلاء على ممتلكات الفقراء.
إعادة الأراضي المصادرة إلى أصحابها.
تقنين الضرائب وتخفيف أعبائها عن الناس.
3. أسباب التغييب
ورغم طابعه الريادي، فإن إصلاحاته لم تنل مكانة بارزة في السرديات التاريخية، بخلاف شريعة حمورابي التي مجّدت الدولة المركزية. يعود السبب إلى أن نصوص أوركجينا ركّزت على الحد من استغلال الطبقات العليا، وهو ما يتناقض مع التوجهات السلطوية التي صنعت الذاكرة الرسمية.
ثانيًا: عروة بن الورد وتجربة الصعاليك
1. السياق التاريخي والاجتماعي
عاش عروة بن الورد في العصر الجاهلي (ت. نحو 607م). انتمى إلى فئة الصعاليك، وهم الخارجون عن النظام القبلي لأسباب اقتصادية أو اجتماعية. هذه الفئة مثلت حركة احتجاجية على التفاوت الطبقي في المجتمع العربي قبل الإسلام.
2. ملامح التجربة
الغارات عند الصعاليك لم تكن غاية في ذاتها، بل وسيلة لإعادة توزيع الثروة.
عروة جعل من الكرم والتكافل جوهر مشروعه، حيث يُصوّر نفسه في شعره جامعًا للفقراء، مانحًا إياهم ما يحصل عليه من الغارات.
اختلف عن أبطال المروءة التقليديين (عنترة/حاتم) بارتباط تجربته بوعي اجتماعي طبقي واضح.
3. أسباب التغييب
لم يُحتفَ بعروة كما حُفل بغيره، والسبب أن تجربته حملت بعدًا صراعيًا طبقيًا. بينما أعيد تقديم حاتم الطائي كرمز للكرم الفردي، وعنترة كرمز للشجاعة، ظل عروة مهمشًا لأن مشروعه ارتبط بمقاومة جماعية تُقوِّض استقرار النظام القبلي.
ثالثًا: آليات التغييب التاريخي
1. نمط التغييب في حالة أوركجينا
غياب الإمبراطورية التي ترعى سيرته وتخلد إصلاحاته.
تناقض نصوصه مع مصالح النخبة الدينية والسياسية في وادي الرافدين.
2. نمط التغييب في حالة عروة بن الورد
ارتباطه بفئة منبوذة اجتماعيًا (الصعاليك).
خطابه الشعري يهدد صورة النظام القبلي القائم على الطاعة والتراتبية.
3. الآلية العامة
السرديات الرسمية، سواء كانت ملكية أو دينية، تميل إلى تمجيد شخصيات تدعم صورة النظام، بينما تهمّش الشخصيات التي تهدد التوازن الاقتصادي والاجتماعي. لذا جرى تغييب أوركجينا وعروة بن الورد رغم دورهما الريادي في رفع صوت المهمشين.
الخاتمة : إعادة قراءة التاريخ من منظور العدالة الاجتماعية
إن النظر إلى شخصيات مثل أوركجينا وعروة بن الورد يكشف عن أن التغييب التاريخي ليس مجرد إهمال عابر، بل هو جزء من بناء الذاكرة الجماعية بما يخدم السلطة والطبقة المهيمنة. فالإصلاحات الاجتماعية المبكرة في لاجاش، وتجربة الصعاليك في الجاهلية، شكّلت إرهاصات مبكرة لنضالات ضد التفاوت الطبقي، غير أن حضورها في الثقافة العامة ظل خافتًا مقارنة بنماذج أخرى جرى تسليط الضوء عليها عمدًا.
إعادة قراءة هذه النماذج اليوم ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي كشف لآليات الإقصاء في صناعة التاريخ. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى:
إعادة تقييم دور الشخصيات المهمشة: دراسة تأثير أوركجينا وعروة بن الورد على مجتمعاتهم وكيفية تأثير إصلاحاتهم وممارساتهم على الطبقات المستضعفة.
مقارنة بين نماذج الإصلاح عبر التاريخ: دراسة أوجه التشابه والاختلاف بين إصلاحات أوركجينا وحمورابي، أو بين تجربة الصعاليك وتجارب أخرى في التاريخ العربي والعالمي.
تحليل السرديات التاريخية: فحص كيف تم تقديم أو تهميش هذه الشخصيات في السرديات الرسمية، وما الأيديولوجيات التي تقف وراء ذلك.
استكشاف تأثير هذه النماذج على الفكر الاجتماعي والسياسي: دراسة كيف يمكن أن تلهم هذه النماذج في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية في العصر الحديث.
من خلال هذه الدراسات، يمكن إعادة بناء صورة أكثر شمولية للتاريخ، تعترف بدور جميع الأفراد في تشكيل المجتمعات، وتسلط الضوء على أهمية العدالة الاجتماعية في تاريخ المجتمع الانساني