17. هيمنة البرجوازية الصغيرة: صراع طبقي داخل الحزب


عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 8 / 27 - 04:55     

تتجاوز الهيمنة الطبقية للبرجوازية الصغيرة في الأحزاب الثورية القنوات الرسمية لتتجذر في شبكات نفوذ خفية. هذه الشبكات تعمل عبر المصالح والعلاقات الشخصية، وتشكل كياناً موازياً داخل الحزب. هذه الظاهرة تقوض المركزية الديمقراطية وتفصل القيادة عن القاعدة، مما يجعل الولاءات الشخصية أكثر قوة من الولاء للفكر البروليتاري. كما أشار لينين، الحزب ليس مجرد تجمع للرفاق، بل هو ساحة للصراع الطبقي داخل التنظيم نفسه. كشف هذه الآليات وتحطيمها هو ضرورة لإعادة بناء الحزب على أسس طبقية نقية.

ينبع ميل البرجوازية الصغيرة إلى تشكيل شبكات النفوذ من طبيعتها الطبقية المترددة. تتميز هذه الفئة بالفردانية نتيجة لموقعها الوسيط، فهي تسعى لضمان وضعها الاجتماعي والاقتصادي خوفاً من السقوط إلى صفوف البروليتاريا. هذا الدافع يجعلها تبني تحالفات غير مبدئية لتعزيز نفوذها الشخصي على حساب الأهداف الجماعية للحزب.

تظهر النخبوية كسمة أخرى لهذه الفئة، حيث يمنحها امتلاكها لرأس المال الثقافي والاجتماعي شعوراً بالاستعلاء على القاعدة العمالية. هذا الشعور يعزز من قناعتها بأحقيتها في القيادة بشكل طبيعي، مما يغذي تكوين الشلليات المغلقة التي تعمل على احتكار القرار والمواقع المؤثرة. تاريخيًا، نجد هذه السمات في تجارب ثورية مثل الحركات العمالية في الهند، حيث استغلت الطبقة الوسطى الحضرية هذه الآليات لعزل القاعدة.

تعمل شبكات النفوذ البرجوازية الصغيرة عبر آليات متعددة. من أبرزها آلية التوظيف والترقية، حيث تتحول المناصب الحزبية إلى غنائم شخصية يتم توزيعها بناءً على الولاء للشبكة بدلاً من الكفاءة الثورية والارتباط بالطبقة العاملة. هذا يقضي على مبدأ الجدارة ويفسد الهيكل التنظيمي من الداخل.

تتضمن هذه الآليات السيطرة على المعلومات، سواء باحتكارها أو بتشويهها لخدمة مصالح الشبكة. تُستخدم المعلومات كعملة للتبادل داخل دائرة النفوذ، مما يحرم القاعدة الحزبية من حقها في الشفافية ويجعلها عاجزة عن اتخاذ مواقف سياسية مبدئية.

من آلياتهم أيضاً صناعة الرأي العام الحزبي عبر تنسيق المواقف في الاجتماعات مسبقاً، واستخدام خطاب ثوري متشدد كغطاء للهجمات الشخصية والتشويه. هذه الممارسة تحوّل النقاش الأيديولوجي إلى أداة تخدم أجندات شخصية وتخلق حالة من الانقسام.

للحفاظ على سيطرتها، تستخدم هذه الشبكات آلية العزل والتهميش. يتم عزل العناصر البروليتارية المبدئية عبر الشائعات أو اتهامات زائفة، وحرمانها من الوصول إلى المناصب أو الموارد المؤثرة. هذا يقضي على أي معارضة محتملة ويضمن استمرارية هيمنة الشبكة. في الحزب الشيوعي الصيني قبل عام 1949، استُخدمت هذه الآليات للتحكم في النقابات العمالية في المدن.

تتجلى تأثيرات هذه الشبكات في الممارسات اليومية للحزب عبر ثقافة "النجومية"، حيث يتم التركيز على شخصيات قيادية فردية على حساب العمل الجماعي وإنجازات القاعدة. هذه الثقافة تتعارض بشكل مباشر مع مبدأ القيادة الجماعية وتعبّر عن الفردانية البرجوازية.

يؤدي هذا النفوذ إلى الانفصال عن القاعدة، حيث تتشكل دوائر مغلقة من "المثقفين" ينفصلون عن هموم العضوية العادية والجماهير. هذه الفجوة الطبقية تجعل الحزب غير قادر على تمثيل مصالح الطبقة العاملة.

يتجلى الاستعلاء في النظر إلى المهام التنظيمية اليومية كالتوزيع والتنظيم النقابي على أنها دون مستوى "النخبة". هذا يضعف العمل الميداني الحيوي للحزب ويجعله مجرد نادٍ للنقاشات النظرية.

النتيجة الحتمية هي تآكل الجسد الحزبي من الداخل، مما يضعف المركزية الديمقراطية ويقتل الإبداع الثوري. يصبح العضو العادي محبطاً عندما يرى أن التقدم مشروط بالانتماء لشبكة نفوذ، وينتشر النفاق والانحراف الانتهازي.

لمواجهة هذه الآليات، يجب على الحزب تعميق الديمقراطية الداخلية، عبر ضمان الانتخاب والعزل للقيادات بشفافية. يجب أيضاً ترسيخ الثقافة السياسية المبدئية التي تشجع النقد والنقد الذاتي، وتحارب التملق.

يجب على الحزب الالتزام بالعمل بين الجماهير، مع إلزام جميع الكوادر بالعمل الميداني كشرط أساسي للترقية، ومكافحة احتكار المعلومات. هذا يضمن أن تبقى قيادة الحزب متصلة بهموم الطبقة العاملة.

إن تحطيم شبكات النفوذ البرجوازية الصغيرة ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو صراع طبقي حقيقي داخل الحزب. يجب تحويل الحزب من مجرد تجمع من الأفراد إلى طليعة منظمة تتمحور حول البرنامج الثوري والصراع الطبقي، حيث يكون الالتزام الثوري هو الأساس، وليس العلاقات الشخصية. هذا التحول هو الشرط الأساسي لإعادة بناء القيادة البروليتارية واستعادة المشروع الماركسي.

"التنظيم الثوري هو سلاح الجماهير في صراعها ضد الطبقات السائدة، وكل ضعف في التنظيم هو فرصة للطبقة المضادة."
كارل ماركس

النضال مستمر،،