16. استعادة القيادة البروليتارية: شرط البقاء الثوري
عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 8 / 26 - 02:07
التناقض الحاسم داخل الأحزاب الثورية يكمن في طبيعة القيادة. وجود قيادة بروليتارية يعني دفع الصراع نحو إسقاط النظام الرأسمالي، أما إذا بقيت القيادة في يد البرجوازية الصغيرة فإنها تحوّل الحزب إلى أداة لإعادة إنتاج النظام عبر إصلاحات سطحية ومساومات سياسية. هذا التناقض ليس مجرد تنظير بل قاعدة تاريخية أثبتتها تجارب متتالية، ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى انحرفت قيادة الاشتراكية الديمقراطية بالثورة وحولتها إلى إصلاحات برلمانية أعادت دمج الطبقة العاملة في النظام. وفي مصر والسودان والجزائر تجسدت وظيفة البرجوازية الصغيرة كوسيط يرفع شعارات راديكالية أمام الجماهير ثم يتراجع إلى صفقات مع السلطة. ماركس أوضح أن هذه الطبقة المتأرجحة بين البرجوازية الكبرى والبروليتاريا عاجزة عن إنتاج مشروع مستقل، ولذلك فإن قيادتها محكومة بالفشل والانحراف.
آليات سيطرة البرجوازية الصغيرة داخل الحزب متعددة، فالبيروقراطية التنظيمية تنتج قيادة معزولة عن القواعد ومحصنة ضد الرقابة والتمويل المشروط يربط الحزب بمصالح الممولين ويحوّل استقلاله الطبقي إلى تبعية مقنّعة. كما إن استعمال اللغة الثورية كغطاء يخفي برنامجًا إصلاحيًا يطمس التناقضات الطبقية. لينين أشار إلى خطر العناصر المترددة والمتذبذبة التي تدخل الحركة الثورية حاملة معها عجزها الطبقي، فتتحول إلى جسور لتمرير الانحرافات. كل هذه الآليات تبقي الحزب في موقع خاضع لمصالح البرجوازية الصغيرة وتفصله عن جوهره الطبقي الثوري.
هيمنة البرجوازية الصغيرة لا تقتصر على تعطيل الممارسة الثورية، بل تمتد إلى ضرب الوعي الطبقي للجماهير. الخطاب يُحتكر ويُعاد صياغته ليُفرغ من مضمونه. غرامشي أوضح أن الهيمنة لا تمارس فقط بالقوة، بل بالسيطرة على المعاني. هكذا تتحول شعارات مثل "التغيير الجذري" و"سلطة الجماهير" إلى قوالب جوفاء تُستهلك تنظيميا وانتخابيًا أو أكاديميًا بينما يُفصل معناها عن الصراع الطبقي. عند هذه النقطة يتراجع الحزب من موقع أداة لتحرير العمال والفلاحين إلى موقع جهاز فكري بيروقراطي منفصل عن الجماهير.
التجربة السودانية بعد ثورة ديسمبر أبرزت هذا الانفصال بوضوح. القوى التي سمت نفسها "تقدمية" دخلت السلطة الانتقالية وارتضت الجلوس في مجلس وزراء مع العسكر مكتفية بلعب دور مستشار إصلاحي للنظام بدلاً من قيادته نحو التغيير الجذري. شعار "سلطة الشعب" جرى تقزيمه إلى "شراكة مدنية-عسكرية"، أي إعادة إنتاج سلطة البرجوازية عبر تحالفها مع المجلس العسكري. وزراء محسوبون على التيار اليساري قبلوا الارتباط بالمنظمات الدولية، فصار خطابهم متمحورًا حول "برامج التنمية المستدامة" و"إصلاح الاقتصاد" بالتماهي مع وصفات صندوق النقد والبنك الدولي، بينما ظل العمال في الموانئ والمصانع والمزارعون في الجزيرة ومزارع النيل الأزرق يواجهون نفس شروط الاستغلال. حتى النقابات التي عادت بعد الثورة جرى احتواؤها عبر القوانين الانتقالية التي جعلت استقلالها وهمًا شكليًا. ورغم هذا الانحراف، واصلت المبادرة البروليتارية التعبير عن نفسها عبر إضرابات الموانئ ولجان المقاومة، مؤكدة أن جذوة الصراع الطبقي ستظل متقدة رغم محاولة البرجوازية الصغيرة احتوائها. هذه التجربة جسدت نموذجًا صارخًا لهيمنة البرجوازية الصغيرة وفضحت عجزها الطبقي عن حمل مشروع تحرري للبروليتاريا.
الانفصال عن الجماهير هو النتيجة المباشرة. اجتماعات مغلقة، لغة نخبوية، انغماس في التحالفات مع بعثات الأمم المتحدة والسفارات، كلها عمّقت الفجوة مع العمال والفلاحين. الحشود التي فجرت الانتفاضة في الشوارع والمصانع والقرى تُركت خارج مراكز القرار، بينما انشغلت القيادات "التقدمية" بتقارير المانحين واللقاءات مع الوسطاء الدوليين. هذا الانفصال لم يكن خطأ عرضيًا بل تعبيرًا عن طبيعة قيادة البرجوازية الصغيرة: قيادة عاجزة عن تمثيل البروليتاريا في صراعها المباشر ضد الرأسمالية.
تظل المواجهة مع البرجوازية الصغيرة داخل الحزب شرطاً وجودياً لبقاء الحزب الثوري. ولاستعادة القيادة البروليتارية لا بد من السير في ثلاثة اتجاهات مترابطة. الأولى تفكيك البيروقراطية الحزبية وربط القرار مباشرة بالعمال والفلاحين عبر مجالس قاعدية تمتلك سلطة محاسبة القيادة، وتطبيق ديمقراطية مركزية حقيقية تقوم على الانتخاب من الأسفل وإمكانية عزل القيادات المنحرفة، مع ضمان تناوب المهام لتفادي التمركز البيروقراطي. هذه المجالس ليست مجرد آلية داخلية، بل نواة لسلطة بديلة في المجتمع على غرار التجربة السوفييتية التي أبرزت إمكانية تحويلها إلى مؤسسات حكم مباشر للجماهير.
الثانية بناء شبكات تثقيف ماركسي جماهيري تكشف تناقضات البرجوازية الصغيرة وتفضح خطابها المتذبذب، مع تطوير أدوات تمويل ذاتية قائمة على تبرعات الأعضاء والجماهير وتجنب أي تمويل مشروط يهدد الاستقلال الطبقي.
الثالثة ربط البرنامج السياسي مباشرة بالمطالب الطبقية للعمال والفلاحين، مع إيلاء اهتمام خاص لتنظيم البروليتاريا الريفية والعمال الزراعيين في المزارع الكبرى وربط نضالهم بنضال العمال في المدن ضمن استراتيجية واحدة. هذه ليست قضايا مطلبية معزولة، بل تمثل قلب المشروع الثوري الذي لا يمكن الالتفاف عليه أو تأجيله.
ماو تسي تونغ أكد أن الثورة فعل عنيف تقوم به الجماهير لإسقاط النظام القديم. القيادة لا تُبنى في المكاتب المغلقة ولا في طاولات المفاوضات، وإنما في مواقع الإنتاج والريف والشوارع. إبقاء الحزب تحت سيطرة البرجوازية الصغيرة يعني تجريد الطبقة العاملة من سلاحها السياسي وتحويل التنظيم إلى قشرة خاوية. القيادة البروليتارية وحدها القادرة على تحويل الحزب إلى أداة بيد الجماهير لتحقيق التحول الثوري.
الخيار واضح: إما قيادة بروليتارية تعيد للحزب طابعه الطبقي الثوري أو انحدار إلى إصلاحية برجوازية صغيرة تعيد إنتاج النظام. هذا الصراع الداخلي يعكس الصراع الطبقي في المجتمع ككل ويرتبط عضويًا بالنضال الأممي ضد رأس المال العالمي والإمبريالية، فتحرر البروليتاريا في أي قطر هو جزء من معركتها العالمية. روزا لوكسمبورغ لخّصت هذه الحقيقة بقولها: الاشتراكية أو البربرية. وغيفارا شدد أن الثوري إنسان الفعل لا إنسان الانتظار، فعل يتجسد في ارتباط القيادة بالطبقة العاملة لا بانحرافات البرجوازية الصغيرة.
النضال مستمر،،