الذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي - 5
سامي المالح
2025 / 8 / 25 - 18:27
الجزء الخامس والاخير من الفصل العاشر من كتابي الموسوم "التفكير النقدي في عصر الذكاء الاصطناعي - خيار تربوي وضرورة مجتمعية"
ثامناً - هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل التفكير النقدي؟
كما أشرنا سابقاً، فإن بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يساهم في تحليل البيانات واقتراح الحلول المناسبة الممكنة لمشكلات معينة. والسؤال المهم هنا هو: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل التفكير النقدي مستقبلاً؟
الجواب على هذا السؤال يعتمد على فهم ماهية ووظائف ومكونات التفكير النقدي، التي تناولناها في فصول عدة من هذا الكتاب. فالتفكير النقدي ليس محصوراً في توفير وجمع المعلومات والبيانات وتحليلها فحسب، بل هو أوسع من ذلك، بجوانبه المنهجية والقيمية والأخلاقية والإنسانية، إضافة إلى إمكانية اعتماده على جميع أنماط التفكير الأخرى، كالتفكير العلمي والإبداعي، وما يُعرف بـ"التفكير خارج الصندوق". فالتفكير النقدي يتطلب التشكيك، والمرونة، والتعامل الإنساني مع العواطف والمشاعر، والالتزام بالأخلاق المهنية، وتحمل المسؤولية. هذه الجوانب والخصائص التي يتميز بها التفكير النقدي تجعل من غير المرجح أن يحل الذكاء الاصطناعي محل التفكير النقدي البشري.
وعند طرح السؤال نفسه على الذكاء الاصطناعي، نحصل تقريباً على الجواب ذاته. يعدد الذكاء الاصطناعي الأسباب التي تجعل من غير المرجح أن يحل محل التفكير النقدي، وهي كما يلي:
1. الإبداع والحدس: يقتصر الذكاء الاصطناعي على البيانات والأنماط الموجودة في بيانات التدريب الخاصة به، بينما يستطيع البشر التفكير خارج الصندوق واستخدام الحواس لفهم المعلومات الجديدة. غالباً ما يتضمن التفكير النقدي الجمع بين أفكار بطرق جديدة لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاتها، لأنه يفتقر إلى الخبرات والتجارب البشرية والأبعاد العاطفية.
2. الأخلاق والأخلاق المهنية: تتطلب العديد من القرارات حكماً أخلاقياً لا يستطيع الذكاء الاصطناعي اتخاذه لأنه يفتقر إلى الوعي والتعاطف. فعلى سبيل المثال، عند تحديد كيفية تأثير القرار الطبي على نوعية حياة المريض، أو عندما تحتاج الشركات إلى اتخاذ قرارات أخلاقية، يمكن للذكاء الاصطناعي توفير المعلومات، لكنه يفتقر إلى الفهم الإنساني المطلوب لاتخاذ قرارات قائمة على القيم.
3. القدرة على التشكيك في البيانات والأنظمة: كثيراً ما يتطلب التفكير النقدي التشكيك في المعلومات والأنظمة. يستطيع الإنسان أن يدرك عندما يكون مصدر البيانات متحيزاً أو غير دقيق أو مضللاً، في حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي عرضة للتحيزات في البيانات لأنه يعتمد على أنماط تاريخية. يتمتع البشر بالقدرة على تجاوز البيانات ورؤية ما قد يكون مشكوكاً فيه أخلاقياً أو غير موثوق.
4. القدرة على التكيف والمرونة: غالباً ما تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي بشكل أفضل في مجالات ضيقة ومحددة، في حين يتمتع البشر بقدرة أوسع على تكييف تفكيرهم مع مواقف مختلفة. فإذا تغير الموقف بسرعة أو تطلب مجموعة مهارات متنوعة، فإن الإنسان قادر على التعامل مع ذلك بفاعلية أكبر من الذكاء الاصطناعي. التفكير النقدي يتيح الدمج بين مجالات متعددة من المعرفة، وهو أمر يصعب على الذكاء الاصطناعي تحقيقه من دون تدخل وإعادة تدريب شاملة.
5. الذكاء العاطفي والقدرة الاجتماعية: تتطلب العديد من المواقف فهماً للعواطف – سواء كانت مشاعرنا أو مشاعر الآخرين – وهذا جانب أساسي من التفكير النقدي. يمكن للإنسان أن يكتشف التلاعب، ويفهم النوايا الخفية، ويقرأ الإشارات الاجتماعية الدقيقة، في حين يفتقر الذكاء الاصطناعي لهذا النوع من الفهم العاطفي والاجتماعي.
تاسعا - التفكير النقدي والذكاء الاصطناعي
يمكن التأكيد على وجود علاقة وثيقة وترابط عميق بين التفكير النقدي والذكاء الاصطناعي، إذ يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم التفكير النقدي، كما يمكن للتفكير النقدي أن يسهم في تطوير الذكاء الاصطناعي بمنهجية أكثر إنسانية، ولمواجهة التحديات والمخاطر المحتملة من خلال البحث عن بدائل وحلول مناسبة.
العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي ليست علاقة تنافسية، ولا أحدهما بديل للآخر أو في تضاد معه، بل هي علاقة تكاملية. وهناك صيغ متعددة توضّح كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم التفكير النقدي، من أبرزها:
1. تحليل كميات هائلة من المعلومات والبيانات بسرعة وفعالية، مما يساعد الإنسان في الكشف عن الأنماط المتكررة والحالات المختلفة التي تعين على اتخاذ قرارات مدروسة.
2. كسب الوقت، من خلال قدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مهام متعددة بسرعة وكفاءة، وهو ما يمنح الإنسان وقتاً أكبر للتفكير العميق، والتأمل، والتقييم العقلاني.
3. اختبار الحلول والسيناريوهات والقرارات المقترحة لمشكلات مختلفة، مما يتيح الكشف المبكر عن نقاط الضعف والمخاطر، وبالتالي تلافيها واتخاذ قرارات أكثر نجاعة.
4. كشف التحيزات في البيانات والمعلومات، فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي قد يكون في بعض الأحيان مصدراً للتحيزات، إلا أنه يمكن تدريبه وتطويره ليكون أداة لكشف هذه التحيزات والأنماط غير المرغوبة.
اسحق اسيموف
اسحق أسيموف ولد في مدينة بتروفتشي الروسية عام 1920 وتوفي في مدينة نيويورك الامريكية عام 1992.
كتب اكثر من 500 كتاب وآلاف من الرسائل والبطاقات. أشتهر برواياته في الخيال العلمي التي اثرت على الانتاج السينمائي في هذا المجال.
لاتزال قوانيه المعروفة بقوانين اسيموف حول صنع واستخدام الربوتات سارية المفعول في عالم التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.