اليقظة المتجددة لليسار العربي: من عمّان إلى تونس، أصوات جديدة تتحدى الإمبراطورية والرأسمال
حمزة رفعت
2025 / 8 / 24 - 18:20
التاريخ يقدم أدلة واضحة على فشل السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فقد قادت الإمبراطورية الأمريكية عمليات فاشلة لتغيير الأنظمة في العراق وليبيا، وتحالفت مع أنظمة تابعة، وأبرمت صفقات رأسمالية زبائنية تخدم المجمع الصناعي العسكري في الاقتصادات الغربية والنخب الضيقة في البلدان العربية. كل ذلك لم يزد الشباب العربي إلا خيبة أمل.
ومع استفادة نخب المنطقة من اقتصادات السوق الغربية، فإن غياب التحولات البنيوية العادلة وتفاقم الاضطرابات الاجتماعية داخليًا دفع الشباب نحو يقظة جديدة للميول اليسارية.
هذه اليقظة اكتسبت زخمًا إضافيًا بفعل الاحتلال الإسرائيلي العميق للأراضي الفلسطينية، والمجازر المستمرة للنظام الصهيوني، وازدياد البؤس وعدم المساواة في البلدان العربية خلال عامي 2024-2025، وهو ما أدى إلى انبعاث حركات ثقافية وفكرية يقودها الشباب والنقابات في مواجهة الوضع القائم.
كما أن دراسة الاتجاهات في عامي 2024-2025 تشير إلى أن النشاط اليساري المرتكز على مناهضة الإمبريالية يترسخ أكثر في العالم العربي وبين الناشطين العرب في الخارج، ممن يقفون ضد الاستعمار الجديد والرأسمالية.
كسر الاتجاه الذي ساد في الثمانينيات
كانت الثمانينيات في الشرق الأوسط مرحلة تركت فيها النيوليبرالية والأنظمة المالية التي روجت لها الولايات المتحدة وحلفاؤها أثرًا لا يُمحى على المجتمعات والثقافات والحكومات في المنطقة. فقد استفادت النخب العربية من الرأسمالية الزبائنية على حساب القوميين واليساريين والاشتراكيين الذين دافعوا عن حماية دولهم من التدخل الأجنبي وانتهاك السيادة الشعبية.
في ظل نظام بريتون وودز، دفعت الولايات المتحدة بسياسات التكييف الهيكلي تحت شعار "الإصلاح الاقتصادي"، الأمر الذي قوض إمكانيات المساواة ورسخ هيمنة النخب وزاد من عدم المساواة في الدخل والخصخصة. آثار تلك المرحلة ما زالت واضحة اليوم في دول مثل الأردن وتونس، حيث يستمر الفقر وانعدام العدالة، بينما تستفيد قلة قليلة من علاقاتها المميزة مع الولايات المتحدة.
لكن هذا الاتجاه تغير بعد حقبة ما بعد 11 أيلول/سبتمبر، حيث واجهت النخب التي روجت لها الولايات المتحدة تحت لافتة "الديمقراطية" رد فعل شعبي غاضب ضد احتكار الأنظمة والدوائر الضيقة من الأوليغارشية. أدرك المواطنون والشباب العرب ضرورة استبدال هذه الأنظمة المفترسة التي دمرت حياة الإنسان العربي العادي.
انتعاش ما بعد الإبادة
هذا الإدراك دفع إلى دفعٍ يساري جديد مع المجازر الصهيونية في غزة عام 2023، التي بلغت مستوى غير مسبوق من الوحشية. تلك الإبادة تشكل نموذجًا حيًا للاستعمار الجديد والفاشية والرأسمالية الزبائنية في أوجها، تخدم فقط مشروع الاستيطان الصهيوني والمجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
في المقابل، شهد العالم يقظة يسارية عربية متنامية. خذ مثلًا "الحركة الشبابية الفلسطينية" (PYM)، وهي منظمة عابرة للحدود، اشتراكية ومناهضة للإمبريالية، تضم بالأساس شبابًا عربًا وفلسطينيين في أمريكا الشمالية. ظهرت هذه الحركة كقوة اشتراكية نشطة في الولايات المتحدة خلال الإبادة، رافضة قنوات الحزبين الديمقراطي والجمهوري اللذين خنقا القضية الفلسطينية، ومشاركة في احتجاجات الجامعات الأمريكية عام 2024، مثل احتجاجات جامعة كولومبيا.
نجحت هذه الحركة في ترجمة رواية المقاومة الفلسطينية "ثالوث الأساسيات" إلى الإنجليزية عام 2024 لنشر الوعي المناهض للاستعمار والفصل العنصري بين الجمهور الأمريكي الأوسع. وقد تكللت جهودهم بالنجاح حين أعلنت شركة الشحن الدنماركية العملاقة "ميرسك" في حزيران/يونيو 2025 وقف تعاملها مع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
إلى جانب الولايات المتحدة، برزت أصوات يسارية عربية ناقدة، مثل رزكار عقراوي، الذي انتقد احتكار الرأسمالية لبرمجيات ومنصات الذكاء الاصطناعي. ويجب الإشارة هنا إلى أن إبادة غزة ترافقت مع حملات تضليل ودعاية صهيونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تقودها شركات إسرائيلية وفيسبوك، لتبييض جرائم الاحتلال وتحويل الأنظار نحو حركة حماس.
بالتالي، فإن جهود اليسار العربي تستحق التقدير، خصوصًا أنها استغلت الفضاء الرقمي لتوسيع حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، ما زاد الضغط على "إسرائيل" لإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية. لم تعد المظاهرات التقليدية وحدها هي الوسيلة، بل تحولت إلى تضامن ثقافي واسع ومقاومة رقمية. قمع الأصوات الفلسطينية أيضًا كان سمة لليبرالية الأمريكية الداعمة بشكل أعمى لـ"إسرائيل".
المقاومة الأكاديمية والثقافية
مع ذلك، تصدى الأكاديميون اليساريون لهذه الموجة. من بينهم المفكر الإيراني آصف بيات في جامعة إلينوي الأمريكية، الذي تحدى النخب المهيمنة التي تهمش الطبقات الدنيا، مؤكدًا على دور "سياسة الشارع" والمجموعات الحضرية المهمشة في اعتماد "التسلل الهادئ" كشكل مشروع من المقاومة.
خارج الولايات المتحدة، برزت مؤشرات أخرى إيجابية. فالأحزاب الفلسطينية التي اجتمعت في بكين بدعوة من الصين أعادت طرح مشروع ديمقراطي جديد في الأراضي المحتلة، مع التركيز على تمكين النساء والطلاب والأطفال. أما شباب تونس ما بعد 2011، فهم يبنون مشاريع مجتمعية قاعدية بدل الاعتماد على المساعدات الغربية. وفي الأردن، أصبح حزب "الوِضحة" أكثر جرأة في الدفاع عن النقابات العمالية والحقوق الفلسطينية، معارضًا في الوقت نفسه النخب الليبرالية.
هذه التوجهات تستند إلى إرث سياسي وفكري تركه جورج حبش، الذي جمع بين الماركسية والقومية العربية واعتبر الصهيونية أداة رأسمالية استعمارية.
الخلاصة
من الواضح أن النخب الليبرالية الغربية فشلت في توفير الأمن المادي للدول العربية، وأن صمتها على إبادة غزة يكشف تراجعها الأخلاقي والجيوسياسي. هذا يفتح الباب أمام بدائل أيديولوجية أخرى، أبرزها يقظة اليسار العربي.
إن عودة اليسار العربي في عصر الإبادة، إقليميًا وعالميًا، تطور إيجابي لا يمكن تجاهله.