الجمهورية الإيرانية.. نموذج التطور الرجعي
ليث الجادر
2025 / 8 / 24 - 11:30
من الخطأ اختزال التقدم في صورته التقنية وحدها: مصانع، صواريخ، مختبرات علمية. فالتاريخ لا يقاس بما تملكه الدولة من أدوات، بل بما يتيحه لمواطنيها من شروط عيش حر وكريم. ولهذا يصبح من الضروري التمييز بين التطور التقدمي الذي يحرر الإنسان، والتطور الرجعي الذي يطوّع العلم والصناعة في خدمة سلطة ونخب محدودة.
معنى التخلف
التخلف ليس مجرد فقر أو نقص في التكنولوجيا، بل هو منظومة تشمل:
اقتصاد هش يقوم على الريع أو البنى التقليدية.
مجتمع أسير للعلاقات العشائرية والطائفية والخرافة.
سلطة استبدادية تحتكر القرار وتغلق أفق الحرية.
بمعنى آخر: التخلف هو تعطّل المجتمع عن إنتاج شروط تقدمه المادي والفكري معًا.
إيران بين التخلف والتقدم
إذا طبقنا هذا المفهوم على إيران، بدت الصورة مزدوجة:
من جهة، هي ليست دولة متخلفة تقنيًا؛ فقد طوّرت قاعدة صناعية معتبرة، وأحرزت إنجازات في المجال النووي والفضائي والعسكري، وحافظت على مستوى تعليمي وعلمي لافت رغم الحصار.
من جهة أخرى، تبقى البنية الاجتماعية–السياسية أسيرة ثيوقراطية استبدادية تُعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية والحرمان.
هكذا لا نستطيع وضع إيران في خانة "التخلف الخام" كما هو حال الدول الريعية، لكنها أيضًا ليست في موقع "التطور التقدمي". إنها تقع في منطقة وسطى سمّيناها: التطور الرجعي.
سمات التطور الرجعي
التطور الرجعي لا يقوم إلا على أساس ترسيخ التفاوت الطبقي:
التقدم العلمي–التقني يتركز في أيدي نخبة ضيقة مرتبطة بالسلطة (عسكرية، دينية، اقتصادية).
الأغلبية تعيش ظروفًا من الفقر والبطالة والحرمان، بلا مشاركة في صنع القرار ولا نصيب عادل من ثمار "النهضة".
الفجوة بين مراكز السلطة والهوامش الاجتماعية شرط لبقاء النظام، وليست مجرد خلل عرضي.
إيران والهند كنموذجين
إيران: التفاوت واضح بين طهران والمدن الكبرى التي تشهد تحديثًا نسبيًا، وبين الأقاليم المهمشة حيث البؤس والحرمان. هذا الانقسام الطبقي هو ما يتيح للنظام أن يستعرض قوته العلمية–العسكرية فيما يظل المجتمع مكبّلًا.
الهند: بلد يملك أقمارًا صناعية وأسلحة نووية، وفي الوقت نفسه مئات الملايين فيه بلا كهرباء أو مياه نظيفة. التكنولوجيا هنا في خدمة طبقات عليا، بينما الأغلبية تعيش تحت ثقل الفقر والبنية الطبقية–الكاستية.
كلا النموذجين يؤكد أن التطور الرجعي لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود تفاوت طبقي حاد، إذ أن هذا التفاوت هو الذي يضمن استمرار سلطة مركزية قادرة على توظيف منجزات العلم والصناعة دون أن تفتح الباب أمام حداثة شاملة.
الخلاصة
الجمهورية الإسلامية الإيرانية تكشف أن التدين لا يعني التخلف التقني بالضرورة، لكنّه، حين يقترن بسلطة استبدادية، ينتج ما نسمّيه التطور الرجعي:
تقدم صناعي–علمي مشروط بترسيخ الفوارق الطبقية.
تحديث في "الآلة" يقابله جمود في "العلاقات الاجتماعية–السياسية".
مشروع سلطة يستخدم أدوات الحداثة ليعيد إنتاج الاستبداد بدل تجاوزه.
إنه درس صارخ: ليست كل نهضة صناعية نهضة إنسانية، وليست كل صواريخ وأقمار صناعية دليلًا على الحداثة. فالتطور التقدمي يبدأ فقط حين تصبح منجزات الصناعة والعلم وسيلة لتحرير الإنسان، لا وسيلة لإدامة تفاوت طبقي يخدم سلطة مغلقة.