14. الريف الغائب: جغرافيا الصراع الطبقي المُهملة


عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 8 / 24 - 02:51     

يمثل التمركز الحضري في الوعي السياسي للأحزاب اليسارية انعكاساً مباشراً لطبيعة البرجوازية الصغيرة التي تُشكّل عصب هذه الأحزاب. هذه الطبقة، بحكم موقعها الوسيط والمتذبذب، تُسقط مركزيتها الحضرية على مجمل الحركة الثورية، فتحصرها في المدن والجامعات، وتُقصي الريف من حساباتها، لا بوصفه مجرد إهمال جغرافي، بل كتعبير عن نزعة طبقية ضيقة تسعى دائمًا إلى إعادة إنتاج ذاتها.

في السودان، يتجلّى هذا الخلل بوضوح حيث نجد أن النشاط الحزبي ظل منحصرًا في الخرطوم والمدن الكبرى، بينما تُركت أرياف دارفور وكردفان والنيل الأزرق بلا عمل ثوري فعّال. هذه الممارسة تعكس نظرة طبقية ترى الريف فضاءً غريباً، مليئاً بالمخاطر والتناقضات التي تعجز البرجوازية الصغيرة عن مواجهتها.

لقد غذّى الاعتماد المفرط على الحركة الطلابية هذه المركزية الحضرية. فمع أن الحركة الطلابية كانت رأس حربة في مقاومة الديكتاتوريات، إلا أن بنيتها الاجتماعية جعلت خطابها الثوري محدوداً بفضاء المدينة. الطلاب والمثقفون والموظفون الذين يشكّلون عماد الكوادر الحزبية لم يختبروا واقع الأرض والكدح الزراعي، وبالتالي لم يستطيعوا أن ينفذوا إلى جوهر التناقضات الريفية.

هذا الانفصال يتغذى من "المركزية الثقافية" التي تُعلي من شأن المدينة وتُهمّش الريف، وتُنتج معرفة حضرية مغلقة، بينما تختزل الريف في "تخلّف" يجب تجاوزه. هذه الأوهام تتضاعف بـ"الإرهاب التنظيمي"، حيث يُفضّل الكادر الحزبي العمل المريح في الجامعات على العمل الشاق وسط الفلاحين.

نتائج هذا الانحياز كارثية. فغياب الريف عن المشروع الثوري يعني انهيار التحالف العمالي-الفلاحي، وهو العمود الفقري لأي ثورة جذرية. في هذا الفراغ، تبرز قوى البرجوازية الريفية وشيوخ القبائل والإقطاعيين لقيادة الريف وتوجيه طاقاته ضد مصالح الفلاحين.

أثبتت التجارب التاريخية أهمية العمل الريفي، ففي الصين، لم يكن انتصار الثورة ممكناً لولا إدراك ماو تسي تونغ لطبيعة التناقضات الريفية. لقد بنى قاعدة جماهيرية صلبة من الفلاحين الفقراء عبر برنامج إصلاح زراعي جذري، حيث وزعت الأراضي على الفلاحين وتم تحطيم سلطة ملاك الأراضي الإقطاعيين.

وفي فيتنام، طبّق هو تشي منه استراتيجية "الريف يطوق المدينة" بنجاح حيث قامت الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام ببناء قواعد ثورية في الأرياف ونظمت الفلاحين في تعاونيات زراعية وفرق للدفاع الذاتي، مما وفر قاعدة شعبية صلبة للنضال الطويل. أما في كوبا، فقد اعتمد تشي جيفارا وفيديل كاسترو على بناء قواعد ريفية في سييرا مايسترا، حيث حصلوا على دعم الفلاحين عبر برنامج إصلاحي يضمن توزيع الأراضي وتوفير الخدمات التعليمية والصحية. في السودان أيضا، توجد أمثلة جديرة بالدراسة. ففي مشروع الجزيرة، استطاع العمال الزراعيون تنظيم أنفسهم في اتحادات قوية دفاعاً عن حقوقهم. وفي دارفور، أظهرت تجربة مخيمات النازحين قدرة المجتمعات الريفية على التنظيم الذاتي وإدارة شؤونها بشكل جماعي.

غير أنه يجب ولمواجهة هذه التحديات، بناء خلايا حزبية ريفية تعيش بين الفلاحين. هذه الخلايا يجب أن تتبنى منهجية "التعلم بالممارسة"، حيث يندمج الكادر في الحياة اليومية للفلاحين ويدرس تناقضات الريف من الداخل. يجب وضع برنامج مطالب ريفي واضح يركز على قضايا الأرض والمياه وحقوق العمال الزراعيين. في السودان، يمكن أن يشمل ذلك المطالبة بإعادة توزيع الأراضي في مشروع الجزيرة، والحد من سطوة كبار الملاك، وضمان حصول الفلاحين على حصص عادلة من الإنتاج.

كما إن من الضروري اكتشاف وتدريب قادة ريفيين من أبناء الأرض أنفسهم، مستفيدين من تجربة حركة الفلاحين في ولاية النيل الأزرق، حيث برز قادة محليون استطاعوا تنظيم الفلاحين للدفاع عن حقوقهم في الأرض والمياه ضد محاولات الاستيلاء عليها.

كما يتوجب ايضا ربط النضال الريفي بالنضال الحضري عبر حملات تضامنية. ففي مصر مثلا، استطاعت بعض الحركات الربط بين نضال عمال الصناعة في المدن وعمال الزراعة في الريف، مما وسع قاعدة النضال وزاد من تأثيرها.

الريف ليس مجرد "جغرافيا" مُهملة، بل هو ساحة التناقضات الأكثر جذرية. استعادة الريف تعني استعادة الجغرافيا الثورية، وإحياء التحالف التاريخي بين العمال والفلاحين، وبناء قوة طبقية قادرة على تحقيق التغيير الجذري.

"سيسهل تطويق المدن الصغيرة والكبيرة حينما يتسع نطاق قوتنا ويزداد عدد مناطقنا الثورية في الريف." ماو تسي تونغ.

النضال مستمر،،