تقرير منظمة العمل الدولية الأصفر -تحقيق العمل اللائق في اقتصاد المنصات- (2)


جهاد عقل
2025 / 8 / 23 - 16:08     

المقدمة
في المقال السابق تناولنا التعريف القانوني والمهني والإجتماعي لما يعنيه "التقرير الأصفر" لمنظمة العمل الدولية وهنا نستعرض بإختصار النقاط الأساسية لما يركز عليه هذا التقرير.
لقد شهدت السنوات الأخيرة نموًا سريعًا لاقتصاد المنصات الرقمية، حيث أصبح ملايين الأشخاص يعملون عبر منصات مثل تطبيقات التوصيل وخدمات العمل الحر عبر الإنترنت. ومع هذا النمو، برزت تحديات قانونية واجتماعية كبيرة،خاصة في كيفية تصنيف هؤلاء العمال، وتأثير ذلك على حقوقهم المهنية والاجتماعية. تسعى منظمة العمل الدولية إلى توضيح هذه التحديات وتقديم توصيات لضمان حمايةالعمال في هذا القطاع المتنامي.
تقرير منظمة العمل الدولية الأصفر "تحقيق العمل اللائق في اقتصاد المنصات" - التركيز على منصات الرعاية والعمل المنزلي

تسليط الضوء على اقتصاد منصات الرعاية والعمل المنزلي
وفق تقرير منظمة العمل الدولية الأصفر يجري التأكيد على ما جرى من تغييرات في عالم العمل في ظل تطورا الرقمنة الجارية وظهور العمل من خلال "المنصات الرقمية" ومما جاء في التقرير بهذا الخصوص فقد:” أدى توسع المنصات الرقمية في خدمات الرعاية الصحية والشخصية إلى ديناميكيات جديدة تُميز منصات الرعاية والعمل المنزلي عن تلك الموجودة في قطاعات مثل توصيل الطعام والنقل. وقد نشأت هذه المنصات استجابةً للطلب المتزايد على الدعم المنزلي المرن، وبأسعار معقولة، والمتاح، لا سيما في مجالات العمل المنزلي، والرعاية غير الطبية، والمساعدة الشخصية للأشخاص ذوي الإعاقة، ورعاية الأطفال. ويعزى هذا الطلب إلى التغيرات الديموغرافية والاجتماعية، بما في ذلك شيخوخة السكان، وتشتت الأسر، والفجوات في أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية التقليدية.
على عكس منصات العمل الرقمية في القطاعات الأخرى، تتميز منصات الرعاية والعمل المنزلي بسمات مميزة تُشكل عملياتها وتأثيرها على العمال. ويشمل ذلك نموذج أعمالها "السوقي".

التحديات القانونية في تصنيف عمال المنصات الرقمية
التحديات القانونية:
تواجه الحكومات صعوبة في تصنيف عمال المنصات بسبب طبيعة عملهم المرنة وغير التقليدية. بعض المنصات تصف عمالها كمستقلين لتجنب الالتزامات القانونية تجاههم، مثل دفع التأمين الاجتماعي أو ضمان الحد الأدنى للأجور، ما يخلق فجوة بين الواقع العملي والتصنيف القانوني.

أمثلة واقعية لهذا النمط الإستغلالي:
شركة توصيل شهيرة: في عدة دول، حاولت المنصات تصنيف السائقين كمستقلين، لكن المحاكم أصدرت أحكامًا تمنح هؤلاء السائقين حقوق العمال التابعين، مثل الحد الأدنى للأجور والتأمين الصحي.
منصات العمل الحر عبر الإنترنت: في بعض الدول، اضطر المشرعون لإصدار قوانين جديدة لتحديد حقوق العاملين عن بعد، وضمان حصولهم على التعويضات الاجتماعية رغم تصنيفهم كمستقلين.

لقد أدى هذا التغيير الى وضع التصنيفات القانونية الحالية للتشغيل:
- عامل مستقل: مسؤول عن تنظيم عمله بنفسه، لكن غالبًا ما يتناقض هذا التصنيف مع اعتماد المنصة الكبير عليه.
- عامل تابع: يحق له جميع الحقوق العمالية التقليدية، لكنه نادرًا ما يُعترف به بهذا التصنيف بسبب الهياكل القانونية القديمة.

في ظل ذلك يقدم التقرير التوصيات التالية :
تشدد منظمة العمل الدولية على ضرورة تصنيف العمال بناءً على طبيعة عملهم الفعلية، مع توفير الحماية الاجتماعية وضمان ظروف عمل عادلة، ومتابعة التشريعات الوطنية لتحديثها بما يتماشى مع اقتصاد المنصات الرقمي.

أثر تصنيف عمال المنصات الرقمية على الحقوق الاجتماعية والمهنية
الحقوق الاجتماعية:
يشير التقرير الى أن التصنيف غير الصحيح يؤدي غالبًا إلى حرمان العمال من التأمين الصحي، الإجازات المدفوعة، والتقاعد. مثال: اكتُشف في بعض دول أوروبا أن عمال التوصيل المصنفين كمستقلين لم يحصلوا على تغطية التأمين الصحي، ثم أصدرت المحاكم لاحقًا قرارات تمنحهم حقوق العمال التابعين.

الحقوق المهنية:
كما يركز التقرير على ما يجري من إستغلال ،حيث يُحرم بعض العمال من الحد الأدنى للأجور وظروف العمل الآمنة والحماية من الفصل التعسفي. مثال: في الولايات المتحدة، رفعت مجموعة من سائقي تطبيقات التوصيل دعاوى قضائية للحصول على الحد الأدنى للأجور والتعويض عن ساعات العمل بعد أن ثبت اعتماد المنصة على جهدهم بشكل شبه كامل، مما يؤكد أن هذا النمط من التشغيل هدفه الأستغلال المهني والإجتماعي للعمال وسلبهم حقوقهم المشروعة.

التحديات في حماية الحقوق:
العمل المرن وغير التقليدي يجعل من الصعب على الحكومات مراقبة تطبيق الحقوق القانونية. بعض المنصات تستخدم عقودًا قصيرة أو نظام العمولة لتجنب التزاماتها تجاه العمال، مما يتركهم في وضع هش قانونيًا.

التوصيات:
يتطرق التقرير الى وضع العديد من التوصيات التي يجب إتخاذها من قبل الدول وحكوماتها ، من أجل وقف هذه الظاهرة الإستغلالية بحق العمال نشير الى بعضها :
- تصنيف العمال بناءً على طبيعة عملهم الفعلية.
- ضمان حقوق التأمين الصحي، الحد الأدنى للأجور، وأمانالعمل لجميع عمال المنصات.
تطوير آليات رقابية لمتابعة تطبيق القوانين وحماية العمال من الاستغلال، مع تحديث التشريعات الوطنية لتواكب اقتصاد المنصات الرقمي.

نحو اتفاقية دولية تضمن حقوق عمال المنصات
نختتم هذه العجالة بما يبدأ به التقرير لأهمية ذلك في هذا المضمار بالقول :”يبدأ التقرير بالتأكيد على أهمية تعريف "منصة العمل الرقمية" و"عامل المنصة الرقمية" باعتبارهما أساسين لإنشاء إطار تنظيمي يضمن ظروف عمل عادلة في التوظيف عبر المنصات. لا تُشكّل هذه التعريفات نطاق حماية العمل فحسب، بل تُحدّد أيضًا كيفية توزيع المسؤوليات بين المنصات والعمال والوسطاء. لذا، تُعد أهميتها بالغة الأهمية للتنفيذ الفعال وتطبيق معايير العمل في اقتصاد المنصات، حيث تُحدّد معايير التدابير التنظيمية وتُوضّح أدوار مختلف الجهات الفاعلة ضمن ترتيبات العمل التي تُتيحها المنصات”.
هذه الإشارة اعلاه في النقرير تؤكد لنا على ضرورة، أن تصنيف عمال المنصات الرقمية يمثل تحديًا قانونيًا واجتماعيًا مهمًا، له أثر مباشر على حقوقهم المهنية والاجتماعية. تجارب دولية متعددة أظهرت أن الحقوق يمكن استعادتها إذا تم تعديل التصنيفات القانونية واعتماد تشريعات متطورة. حماية هذه الحقوق لا تخدم العمال فحسب،بل تضمن أيضًا استدامة ونمو اقتصاد المنصات بشكل عادل ومسؤول.
كلنا أمل بأن يكون لهذا التقرير مردود وفعل إيجابي في النقاش الجاري بخصوص قرار مؤتمر منظمة العمل الدولية الأخير ، والذي جرى إتخاذه بفضل ضغط ونشاط الفريق النقابي بالمنظمة من أجل وضع إتفاقية دولية من قبل المنظمة تحدد مهام وحقوق عمال المنصات الرقمية، ووقف ظاهرة الإستغلال القائمة للعاملين في هذا المجال.