الشيوعي والشيعي


حميد كوره جي
2025 / 8 / 19 - 15:18     

العلاقة بين الشيوعيين والشيعة في العراق وإيران ولبنان علاقة معقدة ومتشابكة، شهدت تقلبات كبيرة عبر التاريخ. ورغم التباينات الأيديولوجية الكبيرة بين الشيوعية، التي تتبنى مبادئ مادية علمانية، والإسلام الشيعي، الذي يقوم على المبادئ الدينية، إلا أنه كانت هناك فترات من التقارب والتعاون بينهما، خاصة في ظل أهداف مشتركة مثل مقاومة الظلم والنضال ضد الاستعمار والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية.

تقاطعات فكرية وسياسية
يُعتبر مفهوم الاستشهاد ركيزة أساسية في الفكر الشيعي، ويستمد قوته من قصة استشهاد الإمام الحسين. وقد ألهم هذا المفهوم حركات المقاومة والتضحية، ليس فقط بين الشيعة، بل امتد تأثيره إلى الحركات اليسارية في العراق وإيران. ورغم محاربة المرجعيات الشيعية للفكر الماركسي، إلا أن قيمًا مشتركة، كالسعي إلى تحقيق المساواة والعدالة، وفرت أرضية للتعاون بين الطرفين.
في العراق، حاول الشيوعيون التوفيق بين أيديولوجيتهم الماركسية-اللينينية والدين، من خلال التركيز على الجوانب الاجتماعية في الإسلام الشيعي. كما كان للطبقة العاملة دور كبير في هذا التقارب، حيث كان العديد من الشيوعيين من أصول شيعية، وكانوا يدركون تمامًا معاناة الفقراء والمهمشين.
تأثرت العلاقة بين الشيوعيين والإسلام بالظروف المحيطة. في مؤتمر شعوب الشرق الذي عُقد في باكو عام 1920، ألقى الزعيم السوفيتي فلاديمير لينين خطابًا دعم فيه حركات التحرر الوطني في العالم الإسلامي ضد الإمبريالية الغربية، مما عزز التضامن بين الاتحاد السوفيتي وهذه الشعوب وجذب العديد من المثقفين والقادة الإسلاميين الطامحين للتغيير الاجتماعي.
كما أثرت الثورة الإيرانية عام 1979 على المشهد السياسي في المنطقة، حيث عززت دور الشيعة في الحياة السياسية ودفعت بعض الأحزاب اليسارية، مثل حزب توده الإيراني، إلى التحالف مع الإسلاميين، مما ساهم في وصولهم إلى السلطة.

العلاقة بين فتوى المرجعيات الدينية والعنف السياسي
تُعد العلاقة بين فتوى آية الله محسن الحكيم ضد الشيوعية والمجازر التي ارتكبها البعثيون والقوميون بحق الشيوعيين في العراق علاقة معقدة ومثيرة للجدل. أصدر الحكيم فتوى عام 1960 اعتبر فيها الشيوعية كفرًا وإلحادًا، وكان لهذه الفتوى تأثير كبير على الرأي العام، واستغلها القوميون والبعثيون لتبرير حملاتهم العنيفة ضد الشيوعيين.
قدمت هذه الفتوى غطاءً شرعيًا للمجموعات التي كانت تعادي الشيوعية لأسباب سياسية، وساعدت في تصوير الشيوعيين ليس فقط كمعارضين سياسيين، بل كخطر على الدين نفسه. كما كان للمرجعية الدينية الشيعية نفوذ كبير في المجتمع، مما جعل من الصعب على الشيوعيين كسب التأييد الشعبي، خصوصًا في المناطق المحافظة.
ورغم ذلك، لم تكن الفتوى السبب الوحيد للعنف، بل كانت جزءًا من سياق أوسع من التوتر السياسي في العراق، حيث كان هناك صراع حاد على السلطة بين الحزب الشيوعي الذي كان يتمتع بقاعدة شعبية كبيرة، وبين القوميين والبعثيين.
تُفهم مقولة آية الله محسن الطباطبائي الحكيم "الكفر أمة واحدة" على أنها وسيلة لتصنيف كل التيارات المخالفة للدين في مجموعة واحدة معادية، بغض النظر عن تفاصيلها. فمن وجهة النظر هذه، يصبح كل من يتبنى فكرًا علمانيًا (سواء كان شيوعيًا، أو قوميًا، أو ليبراليًا) جزءًا من "أمة الكفر" التي تسعى لإقصاء الدين من الحياة العامة.

تغير المواقف من الحكم الديني
شهدت مواقف الجماهير في العراق، وإيران، وسوريا، وأفغانستان تحولًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، مدفوعة بتجاربهم المريرة مع أنظمة الحكم الديني التي اتسمت بالاستبداد وقمع الحريات.
• قمع الحريات: فرضت الأنظمة الدينية قيودًا صارمة على الحريات الشخصية، مما أدى إلى شعور عام بالاختناق وعدم الرضا.
• الفساد وسوء الإدارة: رغم الوعود الدينية بالعدالة، لم تكن هذه الأنظمة بمنأى عن الفساد، مما أثر سلبًا على الاقتصاد وحياة المواطنين.
• تفاقم الانقسامات: أدت الأنظمة التي تقوم على أيديولوجية دينية معينة إلى إقصاء الطوائف الأخرى، مما فاقم الانقسامات المجتمعية وأشعل صراعات داخلية.
نتيجة لذلك، برزت مطالبات قوية بفصل الدين عن الدولة، حيث يرى الكثيرون أن الحل يكمن في النظام العلماني الذي يضمن الحقوق والحريات للجميع، ويمنع استخدام الدين كأداة سياسية للقمع. ويرى الكثيرون أن دور رجال الدين يجب أن يقتصر على الجانب الروحي والأخلاقي، بدلاً من الانخراط في السياسة وإدارة شؤون الدولة.
يُظهر هذا التحول أن الجماهير في هذه الدول أصبحت تفرق بين الإيمان الشخصي والتوظيف السياسي للدين، وتطالب بنظام يحترم التعددية ويضمن حرياتها الأساسية.