سلطة الحكومات عبر التاريخ


هيثم ضمره
2025 / 8 / 18 - 12:19     

من الدولة الأمة إلى الشركة الأمة: نداء للعالم الحر


منذ نشوء الدول الحديثة، استمدت الحكومات قوتها من السيطرة على النقد. البنك المركزي كان الأداة الأهم لضبط الاقتصاد، تحديد السيولة، وتمويل الحروب والمشاريع الكبرى. أي دولة تفقد السيطرة على عملتها تدخل مباشرة في حالة ضعف سياسي واقتصادي.

مثال الأسد: عندما يسقط النقد

التجربة السورية تقدم مثالًا حيًا: بعد أن فقد نظام الأسد أدوات النقد والقدرة على التحكم بالعملة، لجأ إلى اقتصاد بديل يعتمد على تجارة المخدرات والتهريب للحصول على العملة الصعبة. هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، بل أصبحت صورة مصغرة لما قد يحدث عالميًا مع توسع نفوذ الشركات العابرة للقارات.

الشركات العابرة للقارات: بنوك جديدة بلا أعلام

اليوم، شركات التكنولوجيا والمال الكبرى بدأت تحل محل الحكومات في وظائفها الأساسية:
• توزيع الدخل: ملايين الأشخاص حول العالم يعتمدون على وظائف افتراضية (إعلانات، محتوى، تطبيقات).
• إصدار النقد: العملات الرقمية والمشاريع الخاصة للشركات (مثل محاولات فيسبوك/Meta) تهدد احتكار البنوك المركزية.
• التحكم بالمعلومات: الخوارزميات تحدد وعي الناس واتجاهاتهم السياسية أكثر مما تفعل وسائل الإعلام الرسمية.

المخاطر التي تلوح بالأفق
1. تفريغ السلطة السياسية: الحكومات قد تتحول إلى هياكل شكلية بلا قدرة فعلية.
2. فقدان الولاء الوطني: المواطن يصبح مرتبطًا بالشركة التي تؤمّن دخله، لا بدولته.
3. اقتصاد وهمي: تضخم في الوظائف الافتراضية، مقابل انهيار القطاعات الإنتاجية التقليدية.
4. شركات تتحول إلى دول: Apple، Google، Amazon، ميزانياتها تفوق اقتصادات عشرات الدول، وهي تفرض شروطها بدل أن تخضع للقوانين الوطنية.

نحو عصر “الشركة الأمة”

إذا استمر هذا المسار، فقد نكون أمام انتقال تاريخي:
• من الدولة الأمة Nation-State
• إلى الشركة الأمة Corporate-State

حيث تتحول الشركات الكبرى إلى سلطات عليا تتحكم بالوظائف، بالمال، وبالعقول، بينما تتراجع الحكومات إلى دور إداري محدود.

الحل: الشركات التعاونية بديلاً عن الشركات العابرة للقارات

إن مواجهة هذا الخطر لا تكون بانتظار الحكومات وحدها، بل بوعي الشعوب وتنظيمها.
من هنا أدعو حكومات العالم وشعوب العالم الحر إلى:
• تأسيس شركات تعاونية يشارك في ملكيتها العمال والمزارعون والمنتجون والمستهلكون معًا.
• دعم الجمعيات الاقتصادية التي تحفظ الأرباح داخل المجتمع المحلي بدل تهريبها إلى مراكز الشركات الكبرى.
• الاستثمار في الاقتصاد التعاوني الرقمي كمنصات توصيل، زراعة، طاقة، ونشر معرفي، تكون ملكيتها مشتركة وشفافة.

فقط عبر هذه النماذج يمكن للشعوب أن تستعيد السيادة الاقتصادية وتمنع تحول الشركات العابرة للقارات إلى “حكومات ظل” تسيطر على النقد، والإعلام، والوظائف.

إن المستقبل لن يكون للدولة الأمة وحدها، بل لـ الأمة-الجمعية، حيث الناس يملكون أدوات إنتاجهم، ويحافظون على استقلال قرارهم.