7. البيروقراطية كأداة للهيمنة الطبقية


عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 8 / 18 - 08:51     

البيروقراطية داخل الحزب الثوري ليست مجرد خلل إداري أو نتاج قصور تنظيمي، بل هي انعكاس مباشر لتغلغل مصالح البرجوازية الصغيرة في جسد الحركة الثورية، فتتحول الأداة التي كان يفترض أن تفتح الطريق أمام قيادة الطبقة العاملة إلى جهاز إداري منفصل ومهيمن، يعيد إنتاج نفس آليات السيطرة التي تقوم بها الدولة البرجوازية، بما يعني أن تحليل البيروقراطية يجب أن يبدأ من شروطها المادية لا من مظاهرها السطحية.

فالبنية المادية للبيروقراطية تتجلى في الاقتصاد السياسي للحزب ذاته: التمويل الخارجي الذي يحول التنظيم إلى أداة مرتهنة لمصالح الممولين، الاعتماد على موارد الدولة وما يولده من تبعية متبادلة مع أجهزتها، والرواتب والامتيازات التي تصرف للقيادات فتحولهم إلى طبقة بيروقراطية قائمة بذاتها تعيش بعيدًا عن واقع الطبقة العاملة، وتُراكم مصالحها الخاصة في مواجهة القواعد. هذه الشروط هي التي تجعل البيروقراطية أكثر من مجرد جهاز إداري، إنها طبقة داخل الحزب.

تفرض هذه الطبقة هيمنتها عبر آليات محددة: المركزية المفرطة التي تختزل القرار في يد لجان ضيقة مغلقة، تأبيد المناصب بتحويل القيادة إلى مهنة دائمة معزولة عن المحاسبة، تحويل اللوائح التنظيمية إلى سلاح لإقصاء المعارضين وقمع النقاش الداخلي، وبناء شبكات ولاء شخصية تقوم مقام الالتزام الطبقي والسياسي. كل ذلك يعيد تشكيل الحزب في صورة مؤسسة نخبوية بعيدة عن القواعد التي أنشأته.

لكن البيروقراطية ليست قوة مطلقة ولا قدرًا مفروضًا، إذ أثبت التاريخ أن الجماهير العمالية قادرة على مقاومة انحرافها. فقد تمثلت تلك المقاومة في مجالس العمال التي تصدت لهيمنة البيروقراطيين في روسيا 1917، وفي الإضرابات الداخلية لأعضاء الأحزاب الشيوعية الأوروبية ضد قيادات متخاذلة، وفي محاولات فرض لجان رقابية وصحافة مستقلة داخل التنظيمات الثورية. هذه الأمثلة تكشف أن الصراع ضد البيروقراطية هو نفسه امتداد للصراع الطبقي داخل الحزب، وأن ميزان القوى بين القواعد والقيادة يحدد اتجاه التطور.

وتتجسد آليات هذه المقاومة في تطبيق ديمقراطية داخلية ملموسة لا شكلية: انتخاب اللجان القيادية لفترات قصيرة (سنة واحدة مثلًا) مع منع إعادة الترشح المتتالي لتفادي تأبيد المناصب، انتخاب لجان مالية مستقلة من القواعد لمراقبة الصرف وضمان الشفافية، وإصدار صحافة حزبية مستقلة بأقلام الأعضاء مثل صحيفة إيزفيستيا التي لعبت دورًا محوريًا في الثورة البلشفية. والأهم هو إدارة هذا الصراع دون شق الحزب عبر موازنة دقيقة بين الديمقراطية والمركزية، بحيث تُحفظ وحدة العمل مع فتح الباب للنقد الحر من القواعد.

ويظهر البعد الأيديولوجي للبيروقراطية حين تعيد صياغة الصراع الطبقي في لغة إدارية محايدة، فتصبح الثورة مجرد "حوكمة"، ويتحول القادة إلى "خبراء" يبررون وجودهم كوسطاء لا غنى عنهم، ويتحول الحزب من أداة تحرر جماهيري إلى "مشروع" يتطلب إدارة. هذا التشويه لا يخفي فقط تناقض المصالح، بل يفرغ الحركة من مضمونها الثوري لصالح خطاب استقرار زائف، ويتعزز عبر إنتاج ثقافة خضوع داخل الحزب نفسه: عبادة شخصية القيادات بوصفهم "أبطالًا" أو "قديسين"، وتهميش الأعضاء الناقدين بوصمهم بالانشقاق أو التخريب. ولا سبيل لمواجهة ذلك إلا بتعميم النقد الذاتي في الاجتماعات الدورية، ومنع التكريم الفردي والتركيز على الإنجازات الجماعية التي تعكس قوة القواعد لا عظمة القادة.

والأمثلة التاريخية تكشف تنوع أشكال البيروقراطية: ففي الاتحاد السوفيتي تحولت القيادة إلى طبقة مرتبطة بجهاز الدولة وقامعة لأي نقد داخلي، فيما اتخذت الأحزاب الشيوعية العربية شكل بيروقراطيات تابعة للأنظمة ومتحالفة مع أجهزتها القمعية ضد الجماهير، أما في بلدان الجنوب العالمي فقد ظهر شكل آخر يقوم على تبعية للتمويل الدولي ونخب مدينية منفصلة عن العمال والفلاحين. وفي العصر الراهن برزت البيروقراطية الرقمية، حيث يحتكر إداريّو المنصات والنشطاء المحترفون الخطاب باسم الحزب، ويقصون الجماهير عبر الخوارزميات والمتابعات، مكررين آليات الإقصاء التقليدية لكن بثوب جديد.

هذه البيروقراطية الرقمية تستند إلى آليات محددة: احتكار المعلومات عبر تحكم إداريي الصفحات بمفاتيح الخطاب، تحويل النضال إلى وظيفة تقاس بالتفاعل وعدد المتابعين بدلًا من الانغراس الطبقي، وتسليع النشاط السياسي كمنتج في سوق الرأي. لكن مقاومتها ممكنة عبر مجالس عمالية رقمية تُدار ذاتيًا مثل مجموعات واتساب مصنعية لا تخضع للإشراف المركزي، وربط أي نشاط افتراضي بإثبات الحضور الميداني بحيث لا يُعتبر العضو نشطًا ما لم يشارك في إضرابات أو فعاليات ملموسة. هذا الربط بين الرقمي والميداني هو الكفيل بكسر احتكار "النشطاء المحترفين" وتحويل التقنية إلى أداة بيد القواعد.

ولتعميق هذا التمايز يمكن القول إن لكل نوع من البيروقراطية آلية هيمنة خاصة وطريقة مقاومة مقابلة: فبيروقراطية الدولة كما في التجربة السوفيتية ارتكزت إلى التحالف مع أجهزة القمع، ومواجهتها لا تكون إلا باستقلالية الحزب التامة عن الدولة. وبيروقراطية التمويل التي عرفتها أحزاب الجنوب العالمي ارتبطت بتبعية للمانحين الأجانب، ومواجهتها تقتضي التمويل الذاتي عبر اشتراكات العمال. أما البيروقراطية الرقمية فتعتمد على احتكار المنصات الإلكترونية، ومواجهتها تستوجب بناء إعلام حزبي قاعدي مثل بودكاست عمالي أو صحافة مصنعية ناطقة باسم العمال أنفسهم.

إن مقاومة البيروقراطية لا تنفصل عن مواجهة شروطها المادية: وقف التمويل الخارجي الذي يحول التنظيم إلى رهينة، إلغاء الرواتب الثابتة التي تجعل القيادة طبقة قائمة بذاتها، وتفعيل ديمقراطية القواعد عبر مؤتمرات دورية تنتخب لجانها وتملك حق إقالتها في أي لحظة. فالحزب الذي لا تعود فيه السلطة إلى القواعد، وتُفعّل فيه آليات الرقابة الشعبية الداخلية، يتحول إلى جهاز مغلق يلتهم نفسه ويخون طبقته. البيروقراطية إذن ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتاج لاختلال ميزان القوى الطبقية داخل الحزب، ومعركة تحطيمها هي جزء أصيل من معركة تحرر الطبقة العاملة ذاتها.

"البيروقراطية هي القلعة التي يحتمي فيها الانتهازيون من غضب الجماهير"
ماو تسي تونغ

"البيروقراطية هي الطفيلي الذي ينمو على جسد الحركة العمالية حين تفقد جذورها"
ليون تروتسكي

النضال مستمر،،