التحول الأنتي-إمبريالي في الدولة الريعية


ليث الجادر
2025 / 8 / 17 - 14:10     

ليست الدولة الريعية محكومة دوماً بالتبعية؛ ففي ظروف موضوعية معينة متصلة بالتوازنات الدولية يمكن أن تتحول إلى قوة مناهضة للإمبريالية. التنافسات بين القوى العظمى تفتح مجالاً للمناورة، كما أن الريع نفسه يمكن أن يكون أداة لتمويل مشاريع استقلالية.

العراق (عهد البعث): لجأ إلى تأميم النفط (1972) واستخدم الريع لبناء قاعدة صناعية وعسكرية، متحدياً الهيمنة الإمبريالية. غير أن التبعية لبنية السوق العالمي والحروب اللاحقة حدّت من استقلاله.

فنزويلا (عهد تشافيز/مادورو): سخرت ريع النفط لمواجهة النفوذ الأمريكي وتمويل مشاريع اجتماعية واسعة. لكن انهيار أسعار النفط والعقوبات كشفت هشاشة هذا المسار.
إلا أن هذا التحول يظل نسبياً ومحدوداً، إذ أن الاقتصاد الريعي يبقى مرتبطاً بالأسواق العالمية التي تحدد شروط تصريف الريع وتسعيره. كما أن الدولة الأنتي-إمبريالية الريعية قد تصبح داخلياً أكثر قمعية، بحجة مواجهة الإمبريالية، ما يفاقم التناقضات الاجتماعية. في مثل هذه الحالات:
يتضخم دور الجيش والأجهزة الأمنية بوصفها حامية للمشروع التحرري، لكنها عملياً تتحول إلى أداة لقمع المعارضة الداخلية.

تتم إعادة صياغة الشرعية السياسية لتقوم على خطاب وطني/قومي ضد الإمبريالية، ما يبرر تقييد الحريات السياسية.

تصبح المعارضة الشعبية موضع اتهام بالخيانة أو العمالة، ما يضيق هامش العمل المدني والديمقراطي.

تُعاد صياغة علاقة السلطة بالطبقات بحيث تُرفع شعارات العدالة الاجتماعية، لكن توزيع الريع يظل خاضعاً لمقتضيات السيطرة السياسية.

هكذا يتحول الوجه الأنتي-إمبريالي إلى وجه أكثر قمعية داخلياً، مبرراً بضرورات المعركة ضد الإمبريالية.

أمثلة تطبيقية

العراق: الدولة تسيطر على النفط وتعيد توزيعه برواتب ووظائف حكومية ضخمة، مع قمع أي محاولة نقابية مستقلة. المعارضة تتفتت بين الولاء الطائفي والزبائنية.

الجزائر وفنزويلا: رغم وجود بعض الطابع الوطني في توزيع الريع، إلا أن التبعية للسوق العالمي ظلت العامل الحاسم في تحديد شروط الاقتصاد والسياسة.


خاتمة نظرية

لا تنقض الدولة الريعية التعريف الماركسي للدولة، بل تكشف شكلاً مخصوصاً منه. فهي في الجوهر:

أداة قمع للطبقات الدنيا،

وضامناً سياسياً لتبعية الطبقات العليا،

ومحركاً لإعادة إنتاج ارتباط الاقتصاد المحلي بالبنية الرأسمالية العالمية.

لكن في لحظات معينة، قد تنقلب إلى قوة أنتي-إمبريالية، مستفيدة من معطيات التوازن الدولي والريع نفسه. مع ذلك، يظل هذا الاستقلال هشاً ومشروطاً ببنية الاقتصاد الريعي، ما يجعل أي مواجهة طويلة مع الإمبريالية محفوفة بالتناقضات الداخلية والخارجية على حد سواء.

وبذلك، يتحول الصراع الطبقي داخلها إلى جزء مباشر من الصراع الأممي ضد رأس المال العالمي، ويغدو أي نضال اجتماعي محلي في الدولة الريعية نضالاً يتجاوز الحدود الوطنية بالضرورة.

. أفق الخلاص في المجتمعات الريعية

قد يبدو أن جميع الخيارات الإصلاحية مسدودة: التحرر الوطني محدود وهش، الديمقراطية الليبرالية مفرغة من مضمونها، والمعارضة الإصلاحية محتواة أو مقموعة. فلا يبقى أمام الجماهير سوى خيار السلطة الاشتراكية بوصفه المنفذ الوحيد للخلاص.

هذا الخيار يواجه معضلتين واقعيتين:

1. البنية الريعية ذاتها: تحويل اقتصاد ريعي إلى إنتاجي يتطلب قطيعة جذرية مع السوق الرأسمالي العالمي.


2. التوازنات الدولية: أي مشروع اشتراكي في دولة ريعية يدخل مباشرة في مواجهة مع الإمبريالية بحكم الطبيعة الاستراتيجية للموارد.



غير أن هاتين المعضلتين تذوبان كمثل ذوبان قطعة الجليد بتنظيم الجماهير، وباستخلاص قوة الإرادة المقاومة منها. فوعي الجماهير بأن أمنها وسلامة وجودها مهددان يجعلها تدرك أن المسألة ليست وطنية ولا قومية ولا دينية، بل مسألة قيمية وجودية. إن تنظيم الجماهير وتعبئتها على هذا الأساس هو الطريق لتحويل المأزق التاريخي إلى أفق للتحرر الفعلي.