6. الانفصال عن الجماهير: كيف تتحول الأحزاب الثورية إلى أجهزة برجوازية صغيرة


عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 8 / 17 - 09:02     

الانفصال عن الجماهير هو نتيجة طبيعية لهيمنة البرجوازية الصغيرة على الحزب الثوري، حيث تتحول العلاقة بين القيادة والقاعدة من علاقة عضوية قائمة على النضال المشترك إلى علاقة بيروقراطية وسيطة تعيد إنتاج مصالحها الخاصة. هذا التحول يؤدي إلى انفصال تدريجي عن المصانع والقرى والأحياء الشعبية، ويحوّل الحزب من أداة نضال طبقي إلى جهاز وسيط يتماهى مع مصالح البرجوازية الصغيرة المترددة، فينزاح من دوره الثوري الأساسي إلى وظيفة إدارية أو انتخابية، ويصبح مجرد واجهة للنظام القائم وذلك ما لم تُواجه هذه الظاهرة.

العضوية التي تساهم في هذا الانحراف تنحدر غالبًا من شرائح اجتماعية غير متجذرة في الإنتاج الصناعي المباشر، بما في ذلك الطلاب والمثقفون والموظفون الصغار والمهنيون والنقابيون المستقلون، الذين يحملون نزعة فردية وإصلاحية. هذه العضوية تؤثر على الحزب على المستويين الأيديولوجي والتنظيمي، فتظهر ميول نحو الخطاب النظري المعقد والتحالفات الرسمية والمناصب القيادية بدل الالتزام بالنشاط الميداني والنضال المباشر مع العمال والفلاحين، مما يخلق فجوة بين الحزب وقاعدته الطبقية.

يظهر الأثر الأيديولوجي للهيمنة البرجوازية الصغيرة جليًا في تحول لغة الحزب من لغة الصراع الطبقي المباشر، حيث مفاهيم مثل الاستغلال والملكية والطبقية كانت محور التحليل، إلى خطاب أخلاقي وحقوقي عام يركز على الكفاءة والشفافية أو نقد الأفراد بدل النظام الرأسمالي حيث يُختزل الصراع الطبقي إلى نقد الفاسدين كأفراد، وتُقدَّم الحلول الوسطية والوحدة الوطنية على مواجهة رأس المال، ما يبعد الحزب عن تمثيل مصالح الطبقة العاملة ويحوّله إلى أداة لتصفية النزاعات الداخلية بين أعضاء البرجوازية الصغيرة.

تتجلى مظاهر الهيمنة التنظيمية في ظهور أنماط مرضية: الشللية التي تحصر القرار في دوائر مغلقة من الرفاق القدامى، الفردانية التي تغلب المصالح الشخصية على المصلحة الجماعية، الاستعراض الزائف على وسائل التواصل الاجتماعي الذي يحل محل النشاط الميداني الحقيقي، والخطاب النخبوي الموجه إلى المثقفين والجمهور الحضري المتعلم بدل العمال والفلاحين. كما تظهر المركزية المفرطة وخوف القيادة من النشاط القاعدي، والتقزّم النظري الذي يقدس الشهادات الأكاديمية على حساب الخبرة الميدانية، مما يبعد الحزب عن جذوره الطبقية ويضعف دوره الثوري.

يكمن الجذر الطبقي لهذه الظواهر في طبيعة البرجوازية الصغيرة نفسها، التي تميل إلى التمويل السريع والتحالفات مع الدولة أو الجهات المانحة بدل بناء قاعدة جماهيرية مستقلة، ويفضلون العمل المكتبي على النشاط الميداني، فيولد ذلك فجوة بين الحزب وقاعدته. يقدم لنا التاريخ شواهد حاسمة على هذا الانحراف، فقد حذر لينين: "إن صغار البرجوازيين، بحكم وضعهم الاقتصادي، يندفعون تارة إلى اليسار وتارة إلى اليمين، وهذه النزعة تترجم داخل الحزب إلى تذبذب وخطر دائم". كما أظهر الحزب الشيوعي الفرنسي والإيطالي بعد الحرب العالمية الثانية كيف تحول إلى حزب انتخابي برجوازي صغير وفقد قاعدته العمالية، بينما في العالم العربي تحولت بعض الحركات الثورية إلى أجهزة بيروقراطية متصلة بالدولة وليس بالجماهير.

في العصر الرقمي، تتجلى أشكال جديدة للبرجوازية الصغيرة، حيث يحوّل المثقفون وناشطو وسائل التواصل الاجتماعي النضال السياسي إلى منشورات وصور افتراضية، بينما تتضاءل خلايا الحزب في المصانع والقرى. هذا التحول يولد تباعدًا واضحًا بين الخطاب والممارسة، ويزيد الانفصال عن القاعدة الطبقية، ويجعل الحزب أداة لتعبئة صورة بدلاً من أداة نضال طبقي حقيقي.

لمواجهة هذا الخطر، يجب تطبيق برنامج عملي صارم لإعادة الحزب إلى جذوره الطبقية. أول آليات المواجهة هي العضوية الهيكلية: اشتراط أن تشكل العضوية العمالية والفلاحية 60% على الأقل في المؤتمرات واللجان المركزية، مع تخصيص مقاعد دائمة لهم، وتطبيق فعلي بحيث يكون المرشحون منخرطين في المصانع أو الحقول، مع لجان انتخابية ومراقبة مالية لضمان التنفيذ ومنع التحايلات، كما حدث في تجربة الحزب الاشتراكي الموحد في المغرب بين 2012 و2018، والتي انعكس أثرها على الخطاب وسلوك الحزب الانتخابي.

ثانيًا، تمويل القاعدة: منع أي دعم خارجي أو حكومي، والاعتماد على اشتراكات العضوية اليومية أو الشهرية التي لا تتجاوز 5% من الحد الأدنى للأجور، كما هو معمول به في أحزاب اليسار الراديكالي في الهند. هذا يضمن استقلالية الحزب ويحول دون انحرافه نحو مصالح البرجوازية الصغيرة أو النخب الوسطى.

ثالثًا، المدارس الحزبية: منهجية تعليم شعبي مستندة إلى باولو فريري، حيث 30% لدراسة النظرية، مثل قراءة رأس المال بصيغة مبسطة، و70% للتدريب الميداني في المصانع والأحياء الشعبية، لدمج النظرية بالممارسة وتكوين كادر متجذر في الواقع الطبقي، وقادر على مواجهة اختراقات البرجوازية الصغيرة الرقمية.

في مواجهة البرجوازية الرقمية، يجب فرض معادلة الافتراضي/المادي، بحيث يقابل كل نشاط إلكتروني عمل ميداني مباشر، مثل مشاركة ثلاثة أعضاء في خط الإضراب مقابل كل حملة تضامن افتراضية، ومنع الاحتراف السياسي بحيث يقضي أي عضو يتقاضى راتبًا من الحزب 60% من وقته في التنظيم المباشر بين العمال والفلاحين. التمايز داخل البرجوازية الصغيرة يستدعي إجراءات مختلفة: تقييد مدة المناصب الحزبية لموظفي الدولة، وربط نشاط النخب الرقمية الإعلامي بتقارير ميدانية موثقة من القواعد تعكس الخطاب الطبقي الحقيقي.

يتضمن الصراع الثقافي داخل الحزب مقاومة الهيمنة الفكرية والثقافية للبرجوازية الصغيرة، التي تروج للفردانية والخطابية والانخراط مع النخبة، بثقافة عمالية قائمة على التضامن والمباشرة والمادية. كما يجب أن يُدار الإعلام الحزبي بواسطة العمال والفلاحين أنفسهم لضمان انعكاس صوت القاعدة في القرار السياسي، مع دراسة دقيقة للمهن الجديدة في الاقتصاد الرقمي لتحديد وضعها الطبقي والتنظيمي.

الشواهد المعاصرة تدعم هذا البرنامج: حزب بوديموس الإسباني تحول من حركة احتجاجية إلى حزب نخبوي بعد سيطرة خبراء التسويق السياسي، وحزب العمال البرازيلي فقد قاعدة العمال بعد تبنيه سياسات الطبقة الوسطى المتعلمة، بينما حزب الاشتراكيين الثوريين في جنوب إفريقيا حافظ على تمثيل العمال عبر مجالس عمالية تختار المرشحين وتمنع التمويل من النقابات البيروقراطية، والحزب الشيوعي الفلبيني والحزب العمال الكردستاني PKK حافظا على التجذر الريفي والعمالي.

إن مقاومة البرجوازية الصغيرة داخل الحزب ليست مجرد معركة أيديولوجية، بل إعادة تشكيل مادي شامل للحزب، يشمل الهيكلة الاقتصادية عبر تمويل القاعدة، الهندسة الاجتماعية لضمان هيمنة العضوية المنتجة، والثقافة التنظيمية التي تقيس الأداء بالممارسة الميدانية لا بعدد المنشورات أو المتابعين. وكما قال غرامشي: "حين يصبح الحزب مدرسةً لصغار البرجوازيين بدل أن يكون أداةً لتنظيم الطليعة العمالية، يتحول إلى فرعٍ من أجهزة الهيمنة الثقافية للطبقة الحاكمة"، وحسبما أكدت روزا لوكسمبورغ: "البروليتاريا لا تحرر نفسها إلا ببناء أدواتها التنظيمية من طين واقعها اليومي لا من أوهام نخبويتها".

النضال مستمر،،