في معركة عقربا، المستوطنون الإسرائيليون لا يرحمون الأرض الفلسطينية ولا الأرواح
جدعون ليفي
2025 / 8 / 17 - 04:52
هذه المرة لم تكلف الشرطة الإسرائيلية نفسها عناء فتح تحقيق. بالنسبة لهم، قيام مستوطن بإطلاق النار من بندقية أوتوماتيكية على فلسطينيين، مما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة آخرين، ليس سبباً لاستجواب أي شخص – خصوصاً الآن، حيث تبدو حياة الفلسطينيين وكأنها لا تساوي شيئاً.
خمسة أيام فقط بعد أن أطلق المستوطن يانون ليفي، المعروف بأعماله العنيفة ضد الفلسطينيين، النار وقتل المربي والراعي عودة الهذلين في جبال جنوب الخليل – وبعد أن أُطلق سراح القاتل بعد ليلة واحدة من الإقامة الجبرية من دون اتخاذ أي إجراء قانوني بحقه – أدرك المستوطنون أن الحياة تسير على ما يرام. ففي ظل الوضع القائم، بات من السهل قتل الرعاة والمزارعين الفلسطينيين لإجبار مجتمعاتهم على الرحيل، ولن يترتب على ذلك أي عواقب.
ربما لهذا السبب قُتل مزارع آخر هذه المرة في وسط الضفة الغربية، وأصيب سبعة آخرون. وقع الحادث في الثاني من أغسطس. وهذه المرة أيضاً لم تكلف الشرطة نفسها حتى فتح تحقيق. فمن وجهة نظرها، إطلاق النار من بندقية أوتوماتيكية، وما يترتب عليه من قتلى وجرحى، ليس سبباً لاستدعاء أي شخص – لا سيما في هذه الأيام التي لا تُحسب فيها حياة الفلسطينيين شيئاً.
كان مقياس الحرارة في سيارتنا يُظهر 49 درجة مئوية عندما توقفنا هذا الأسبوع قرب المكان الذي قُتل فيه مؤمن صفَر (24 عاماً) برصاص المستوطنين. ووفقاً لتقرير أعدّته سلمى الدِبعي، الباحثة الميدانية في منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية، فإن المجموعة كانت مكونة من 10 إلى 15 مستوطناً، غير ملثمين، أربعة منهم مسلحون ببنادق M16، والباقون بمسدسات.
في ظهر ذلك السبت، كان صفَر، المنتمي لعشيرة ديرية، في حقل بامية مع أصدقائه حين اقترب منهم المستوطنون وطردوهم بالتهديدات؛ فتراجع الفلسطينيون نحو بستان الزيتون التابع للعائلة. لكن أحد المستوطنين أطلق النار، على ما يبدو بعد رشق حجارة دفاعاً عن الأرض، فأُصيب ثمانية أشخاص: قُتل صفَر وجُرح سبعة آخرون، ثلاثة منهم بجروح خطيرة.
كانت ساحة الجريمة حقول بلدة عقربا الواقعة بين نابلس والأغوار. رئيس المجلس المحلي الشاب نسبياً، صلاح الدين جابر، عرض لنا صورة جوية للمنطقة. وأوضح أن مجتمعه يُحاصر. فمنذ بداية الحرب على غزة، بدأت البؤر الاستيطانية بمحاصرة عقربا من أربع جهات، ما عزلها عن القرى والبلدات المجاورة. كما فقدت البلدة مساحات واسعة من أراضيها التي استولى عليها المستوطنون بالقوة.
يقول جابر إن إنشاء مزارع للأغنام والأبقار هو وسيلة المستوطنين للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، حيث يرعون قطعانهم عليها، ليقطعوا أوصال بلدة يسكنها 16 ألف نسمة، حتى يفقدوا إرادة البقاء ويغادروا كما حدث مع التجمعات البدوية الصغيرة في الأغوار وجنوب الخليل.
بعد حرب 1967، يوضح جابر، غادر كثير من السكان عقربا. اليوم هناك نحو 80 ألفاً من أبناء البلدة وأحفادهم في الشتات، معظمهم في الأردن. لكن الآن، ورغم اعتداءات المستوطنين، لا أحد يفكر في المغادرة.
عقربا بلدة ميسورة نسبياً، تملك أراضي خصبة تمتد حتى الأغوار، وتنتج زراعة عالية الجودة من زيتون وحقول مشذبة بعناية. كما يغذيها المال القادم من المغتربين، ما ينعكس على جمال شوارعها ومنازلها.
عند مدخل البلدة يرفرف علم فلسطيني ضخم، ولوحة المجلس المحلي تعلن أننا في "دولة فلسطين". يجلس جابر في مكتبه الواسع المزدحم بالزوار، يفتح بابه للضيوف بجهاز تحكم عن بُعد.
يقول إن عقربا اليوم من أكثر الأماكن قتامة في الضفة. ففي الأشهر الـ22 الأخيرة خسرت 25 ألف دونم لصالح المستوطنين العنيفين الذين يمنعون الفلسطينيين من دخول أراضيهم. وقد أتلفت قطعان المستوطنين 377 دونماً من الأراضي الزراعية المصادرة. وكل شكاوى جابر للشرطة لم تجدِ نفعاً.
يضيف: "قتل صفَر ليس حادثة منفصلة. هناك منهجية وراء ما يحدث. الأغنام، المستوطنون والجيش – جميعهم يخدمون هدفاً واحداً: إخلاؤنا من مناطق ج وإجبارنا على الانحصار في مناطق ب. منذ السابع من أكتوبر تغيّرت عقلية المستوطنين؛ كل مستوطن يتصرف كسموتريتش وبن غفير".
شهدت عقربا نحو 300 اعتداء منذ اندلاع الحرب: سرقة ممتلكات وأغنام، حرائق، اعتداءات جسدية على المزارعين.
يقول جابر: "هم يعزلوننا ويفصلوننا عن محيطنا. يبدأون بالإرهاب والاعتداءات، والجيش يدعمهم، ثم يسيطرون على الأرض بعد أن يخاف الناس من الوصول إليها. المستوطنون ليسوا فوق القانون – هم القانون نفسه. يعاملوننا كما لو كنا ضفادع".
قُتل جدّ مؤمن صفَر أيضاً قبل 25 عاماً برصاص مستوطنين، كما قُتل عمّه داخل منزله على يد الجيش في إحدى المداهمات. في بيت العائلة جلست والدته، هاجر صفَر، في الخمسين من عمرها، مرتدية السواد وصامتة. لم تنطق بكلمة.
كان مؤمن أعزباً، يعمل في الأرض ويقوم بخدمات للمجلس المحلي. في حوالي الرابعة مساءً يوم 2 أغسطس، تلقى عمه إبراهيم اتصالاً يخبره بدخول مستوطنين إلى الحقول، فتوجه بعض الشبان للتصدي لهم.
بدأت المواجهة كلامياً، ثم تحولت لعراك، وبعدها رشق بالحجارة، وأخيراً أُطلقت النيران من بندقية أحد المستوطنين، فأصابت ثمانية أشخاص. وكان مسؤول أمن مستوطنة "مجداليم" حاضراً هناك.
بحسب رواية إبراهيم، بدأ إطلاق النار بعد وصول الجيش، وكأن المستوطنين شعروا بأمان أكبر لارتكاب القتل.
وذكرت الصحفية هاجر شزاف في "هآرتس" أن أحد المستوطنين صرخ في وجه الأهالي: "اخرجوا من هنا، لن آخذ الأرض فقط بل عقربا وجوريش كلها – وأنتم ستذهبون إلى الأردن". وقال آخر: "عقربا كلها ستكون في أيدينا. احزموا أغراضكم وارحلوا. رأيتم ما حدث في غزة". ثم ضرب أحد الأهالي بهاتفه قبل بدء إطلاق النار.
مجلس شومرون الإقليمي نشر رواية المستوطنين قائلاً إن "عشرات الفلسطينيين اقتربوا من البؤرة الاستيطانية بشكل مهدِّد"، وأرفق صورة للقتيل وهو يحمل حجراً. لكن مؤمن قُتل في أرضه، التي تبعد كيلومتراً واحداً على الأقل عن البؤرة، على الجانب الآخر من شارع 505.
الشرطة الإسرائيلية لم ترد على استفسارات "هآرتس".
يوسف صفَر، سائق سيارة إسعاف خاصة، قال إنه لم يُسمح له بإخلاء الجرحى، إذ سمح الجيش فقط لسيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر. أصيب مؤمن برصاصتين في الصدر والساق، وتوفي على الفور. نُقل الجرحى إلى عيادة عقربا، ثم إلى مستشفى رفيديا في نابلس، حيث تعافوا بعد أن كانوا في حالة حرجة.
وبحسب السكان، بعد عودة المستوطنين إلى بؤرتهم، سُمعت أصوات غناء صادرة من هناك.