عندما مات أنس الشريف، ماتت الصحافة، وماتت الحقيقة، ومات التضامن


جدعون ليفي
2025 / 8 / 14 - 08:43     

يرفض صحفيو إسرائيل أن يروا أن دولة قتلت في هذه الحرب على غزة صحفيين أكثر مما قُتل في أي نزاع آخر في التاريخ، ستوجّه أسلحتها يوما ما نحوهم أيضا.
"إذا وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي... يعلم الله أنني بذلت كل جهد وكل قوة امتلكتها كي أكون سندا وصوتا لشعبي، منذ أن فتحت عيني على الحياة في أزقة وشوارع مخيم جباليا للاجئين. كان أملي أن يطيل الله عمري حتى أعود مع عائلتي وأحبتي إلى مدينتنا الأصلية، المجدل عسقلان المحتلة. لكن إرادة الله غلبت، ونُفذ قضاؤه."
لم تكن إرادة الله هي من حددت مصير الصحفي أنس الشريف يوم الأحد، مع ثلاثة صحفيين آخرين ومدنيين اثنين، في خيمة الصحافة الملاصقة لمستشفى الشفاء بمدينة غزة. لم تكن إرادة الله، بل كانت طائرة مسيّرة عسكرية إسرائيلية استهدفت الشريف، أبرز مراسلي الجزيرة خلال الحرب. لم تكن إرادة الله، بل إرادة إسرائيل في إعدامه، بزعم أنه كان يقود "خلية تابعة لحماس"، دون تقديم أي دليل يثبت ذلك.
كثيرون في العالم صدّقوا رواية الجيش، كما صدّقوا من قبل أن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يقتل مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة في جنين عام 2022. حتى من يريد أن يصدّق أن الشريف كان قائد خلية، عليه أن يسأل: وماذا عن الخمسة الذين قُتلوا معه؟ هل كانوا نواب قائد الخلية؟ لا يمكن تصديق أي شيء يقوله جيش يقتل الصحفيين بدم بارد، أو دولة تمنع التغطية الحرة للحرب، حتى في القصص عن "قائد خلية إرهابية" من جباليا.
لم يكن استهداف إسرائيل للصحفيين الفلسطينيين في غزة ضررًا جانبيًا، بل هو استراتيجية.
من الصعب تصديق – أو ربما لم يعد شيء صعب التصديق – قلّة الاهتمام هنا بمقتل أربعة صحفيين. انقسمت الصحافة الإسرائيلية بين من تجاهل القصة، ومن نشر أن إسرائيل "صفّت إرهابيًا". وبلا أي معلومات، تجند تقريبًا الجميع ليرددوا الرواية التي أملاها عليهم الجيش الإسرائيلي، ضاربين عرض الحائط بالحقيقة، وكذلك بإظهار أي تضامن مع زميل شجاع.
الدليل الوحيد الذي قدمته إسرائيل كان صورة لأنس الشريف مع قائد حماس يحيى السنوار. وهذا – برأيهم – كافٍ للإعدام.
كان أنس الشريف أشجع مليون مرة من أي صحفي إسرائيلي، وأقل انصياعًا لخدمة دعاية دولته وشعبه من نير دفوري وأور هيلر. كان يمكنه أن يعلّم الصحفيين الإسرائيليين أبجديات المهنة.
لكن وقاحة الإعلام هنا بلا حدود: يصرخ مراسلو القنوات الإسرائيلية بأن الجزيرة شبكة دعائية، بينما هم أنفسهم قد أعطوا سمعة سيئة للدعاية القومية المتطرفة ولطمس الحقيقة في هذه الحرب.
إذا كانت الجزيرة دعاية، فما هي القناة 12 إذن؟ وماذا عن القنوات 11 و13 و14 و15؟ هل لها أي صلة بالصحافة في هذه الحرب؟
عندما ماتت الصحافة، ماتت معها الحقيقة والتضامن. أولئك الذين قتلوا في هذه الحرب صحفيين أكثر مما قُتل في أي حرب أخرى في التاريخ – 186 بحسب لجنة حماية الصحفيين في نيويورك، و263 بحسب "بتسيلم" – سيوجهون يومًا ما أسلحتهم إلينا نحن الصحفيين الإسرائيليين الذين لا نروق لهم. من الصعب فهم كيف لا يدرك الصحفيون الإسرائيليون ذلك. أو ربما يخططون لمواصلة خدمتهم المطيعة لآلة الدعاية الإسرائيلية، لأنهم يرون أن هذه هي الصحافة.
لكن هذا الأسبوع، قصف الجيش الإسرائيلي خيمة صحافة، والمشاهد التي لم تُعرض كانت مروّعة: جثث الصحفيين تُسحب من الخيمة المشتعلة، وزملاؤهم الإسرائيليون إما صفقوا أو ظلوا صامتين. يا لها من فضيحة، شخصية ومهنية. ما الذي يجعل هذا أقل صدمة من جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي عام 2018؟ لأنهم لم يقطعوا جثة أنس الشريف إربًا؟
يقول أصدقاء أنس ووصيته إنه كان يعلم أنه هدف. حين بدأ الجيش الإسرائيلي في أكتوبر يهدد حياته، قالت إيرين خان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية التعبير، إنها قلقة على مصيره. وأشارت إلى أن الشريف كان آخر صحفي باقٍ على قيد الحياة في شمال قطاع غزة. وهذا بالضبط سبب قتله من قبل إسرائيل. كانت آخر كلمات وصيته: "لا تنسوا غزة".