عن الطوفان وأشياء أخرى 40


محمود الصباغ
2025 / 8 / 12 - 04:47     

-الإسكات Silencing
الشعب لا يخون... لكن المثقف قد يخون
الشعب لا يساوم... لكن النخبة قد تساوم
الشعب لا يموت... المثقف الخائن والنخبة المساومة ينتهون... إلى مزابل التاريخ مجازاً وحرفياً وعملياً.
يتحدث ميشيل فوكو في تحليله لعلاقة السلطة بالمعرفة عن آليات تشكيل الخطاب عبر الرقابة والضوابط المؤسسية والاجتماعية التي تفرض ما يعتبر "صحيحاً" أو "مقبولاً" وتقصي ما سواه.
فالإسكات هنا جزء عضوي من منظومة السلطة والهيمنة، وأداة لإدارة علاقات القوة وتعيين حدود ما يمكن قوله ومن له الحق في الكلام.
وفي السياقات الاستعمارية يتحول الإسكات إلى سياسة مركزية غايتها النهائية إخضاع الشعوب*، وفرض نظام معرفي وثقافي وسياسي يُعزز الهيمنة ويعيد تشكيل بنية القوة داخل المجتمع المستعمَر للسيطرة على الرموز الثقافية والمعرفية عبر بالتحكم في الخطاب والرواية. ليبدو كأنه "صيرورة" نسقية نشير بها إلى مجمل عمليات منع أو قمع التعبير عن الأفكار، أو المشاعر، أو الآراء للأفراد، أو الجماعات السياسية وغير السياسية؛ لمصلحة هُوية، أو جماعة أو ثقافة مهيمنة.
وتسلك مركزية الخضوع بالإسكات الاستعماري ممارسة قمعية ممنهجة ضد السكان الأصليين لإخضاعهم وسلبهم صوتهم وحقهم في التعبير عن أنفسهم أو إشهار روايتهم، ومنع "صوت" التاريخ الأصلي واستبداله برواية استعمارية تقدم المستعمِر كمنقذ أو كصانع للحضارة لمنع و"إسكات" أي تعبير عن المقاومة أو المعارضة، باستخدام عنف مادي مباشر وقوانين (كم هو المستعمِر مغرم بالقوانين التي تضفي عليه هالة من الهيمنة الرمزية والشرعية)، ورقابة تُجرم أي خطاب يتحدى الهيمنة الاستعمارية.
فتتحول اللغة والصورة إلى ساحات معركة، حيث يعاد تشكيل المفردات والمعاني لخدمة مشروع السيطرة، بينما يُصوَّر خطاب المقاومة بأنه "بدائي" أو "غير عقلاني" أو "إرهابي"، تمهيداً لتبرير قمعه.
الإسكات في الواقع ليس فعلاً عرضياً، إنه جزء أساسي من مشروع تفريغ المجتمع من قدرته على المقاومة والتعبير، وإعادة تشكيله وجعله تابعاً لصوت المستعمِر، يتحدث لغته.. وهذا يعني أن يختار المستعمِر إعلاء أصوات محددة دون غيرها وتوجيهها بما يخدم مشروعه فيعليها ويمنحها شرعية لخدمة أجندته عبر الوكلاء -أفراد أو مجموعات من المجتمع- غالباً هم من النخب الاقتصادية أو الثقافية، ويدعم أصواتهم لتكون ممثلة، بزعمه، للمجتمع، لتتحدث بلغته وتروج لرؤيته، فتمحى الأصوات الحقيقية، وتستبدل بأخرى معدة مسبقاً لتكرار الرواية المهيمنة وإعادة صياغة اللغة في إطار ثقافي معين سيجعل الأصوات الأخرى غير مسموعة أو "غير مفهومة" باعتبارها أصوات "بدائية" أو "غير مناسبة" أو "إرهابية" أو "متطرفة" أو "جهادية" ... إلخ ،(القصد هنا الأصوات بالمعنى المقابل للإسكات، وليس اللغة بمعناها الخاص)، مما يمنح المستعمِر ذريعة لإسكات المقاومة أو تحييدها.
لا يبقى الإسكات، بهذا المعنى، عملية منع، وإنما أداة إعادة تشكيل المجتمع و"صوته" للتماهي مع رؤية المستعمِر ومشروعه. وهو حين يجعل المجتمع يتحدث، بصوته، فإنما يعمل على حجب الأصوات الحقيقية والمقاومة. وتعمل ديناميكية الإسكات على إعادة إنتاج علاقات القوة بما يضمن بقاء المستعمِر في مركز الهيمنة وهيمنة منتجه الثقافي وقيمه، ليعيد تشكيل هوية السكان الأصليين ويجعلهم يتبنون قيمه ومعاييره.
في الحالة الفلسطينية، يتخذ الإسكات أشكالاً أكثر تعقيداً، إذ يقتات على "النفاق" الغربي الذي يبرر الرواية الإسرائيلية ويقيد الرواية الفلسطينية لمصلحة المشروع والتاريخ الإسرائيلي، أو أحد أسبابه أو نتائجه. (حظر فعاليات BDS في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وتجريم استخدام مصطلحات مثل "الأبارتيد الإسرائيلي" في بعض المنابر الإعلامية، بدعوى "معاداة السامية" وحظر رفع الأعلام الفلسطينية أو ارتداء الكوفية... وغيرها كثير)
لا يكتفي هذا النفاق لا يكتفي بتهميش الأصوات المؤيدة للفلسطينيين، بل يسهم في محوها من المجال العام، ما يجعل الإسكات حلقة متقدمة في تفريغ الوعي المقاوم. وتكون النتيجة النهائية: فرض الرواية الإسرائيلية كحقيقة وحيدة، وتجريد الفلسطينيين من حقهم في تمثيل أنفسهم سياسياً وثقافياً وديموغرافياً.
نحن نعلم عدم اقتصار تأثير هذا النمط من السيطرة على المجال السياسي، بحكم تجربتنا الطويلة مع المستعمِر**، فالسرديات الكبرى التي ينتجها المستعمِر تخترق الوعي، فتدفع بعض الأفراد إلى التشكيك في شرعية أفكارهم، أو التراجع عن التعبير عنها، تحت ضغط معيشي أو ثقافي يخنق النقاش الحر ويشلّ الفكر النقدي. ومن هنا يكون الإسكات جزءً من سياسة "الفناء الطبيعي" للسكان الأصليين: بالاستيلاء على الأرض، وتدمير البيئة، وتحجيم القدرة على التعبير، والسيطرة على اللغة والثقافة.
الصورة في الحادي عشر من آب الجاري 2025، قُتل مراسلا الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع، إلى جانب زملاء لهما في خيمة إعلامية قرب مستشفى الشفاء بغارة إسرائيلية. القتل جاء أثناء تقديمهم تغطيات مباشرة للعدوان، وأثار موجة غضب دولية، واعتُبر "اغتيالاً بوعي" لتصفيتهم كآخر الأصوات المستقلة في غزة
.....
* اعتمدت الإدارة البريطانية في فلسطين (1920–1948) على قوانين الطوارئ لمنع الصحف العربية المعارضة من الصدور، مثل إغلاق صحيفة "فلسطين" عدة مرات، وفرض رقابة مسبقة على المقالات التي تنتقد الانتداب أو الهجرة الصهيونية، و كان الهدف واضحاً: إسكات الأصوات، وتضييق الحيز العام أمام أي خطاب مقاوم.
** في الانتفاضة الأولى (1987–1993)، على سبيل المثال، أغلقت سلطات الاحتلال أكثر من 40 مؤسسة ثقافية وتعليمية في الضفة الغربية، بينها جامعة بيرزيت لفترات طويلة، وأغلقت الصحف والمجلات المحلية، بهدف حرمان الفلسطينيين من فضاءات إنتاج خطابهم الذاتي.