كونفرانس الحسكة: تجسيد التنوع السوري نحو مستقبل مشترك
موسى بصراوي
2025 / 8 / 8 - 18:47
في قلب الجزيرة السورية النابض، مدينة الحسكة، شهدت المنطقة حدثاً محورياً عكس جوهر التعددية السورية وأصالة تطلعاتها نحو مستقبل جامع. تحت شعار "معاً من أجل تنوع يعزز وحدتنا، وشراكة تبني مستقبلنا"، انعقد كونفرانس "وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا"، مستقطباً أكثر من 400 شخصية تمثل فسيفساء المجتمع السوري في شمال وشرق البلاد.
لم يكن هذا المؤتمر مجرد تجمع شكلي، بل كان مشهداً حياً يجسد التنوع السوري في أبهى صوره. لقد جمع ممثلين عن الإدارة الذاتية، وقوات سوريا الديمقراطية، ومجلس سوريا الديمقراطية، إلى جانب طيف واسع من الأحزاب السياسية، والتنظيمات النسوية، ورجال الدين، والشخصيات العشائرية. كما ضم في رحابه كافة المكونات القومية والدينية من كرد وعرب وسريان وآشوريين وتركمان وأرمن وشركس، مؤكداً على أن الوحدة الحقيقية تنبع من الاعتراف بالتعددية واحترامها.
التنوع كركيزة لوحدة المجتمع السوري
تجاوز كونفرانس الحسكة مجرد ترديد شعارات الوحدة ليجسدها واقعاً ملموساً. إن الحضور الواسع والمتعدد الانتماءات قدم نموذجاً حياً لما يمكن أن تكون عليه الحياة السياسية في سوريا، إذا ما تحررت من قيود الهيمنة الأحادية والإقصاء الممنهج الذي طالها لعقود طويلة. هذا المشهد يتناقض بشكل صارخ مع ما عُرف بـ"مؤتمر الحوار الوطني" الذي نظمته الحكومة الانتقالية، والذي اتسم بلون فكري وسياسي واحد، وغيّب عمداً مكونات سورية أساسية.
في المقابل، جاء مؤتمر الحسكة ليقدم رؤية مغايرة تماماً: منصة حقيقية للحوار الوطني الشامل، حيث يتساوى الجميع في الشراكة وصياغة ملامح المستقبل. لقد أثبت هذا التجمع أن الحوار الوطني الفعال لا يُقاس بجمال الخطابات، بل بمدى تمثيل جميع الأطراف على طاولة القرار، وتكافؤ أصواتهم في رسم معالم الغد.
ملامح مشروع وطني جامع: رؤية من الحسكة
لم يكتف البيان الختامي للكونفرانس، الذي تلاه رئيس مجلس قبيلة الطي العربية، حسن فرحان، بتشخيص الواقع، بل رسم خطوطاً واضحة لمشروع وطني جديد يهدف إلى بناء سوريا المستقبل. تضمنت هذه الملامح:
- ترسيخ التعددية: التأكيد على ترسيخ التعدد القومي والديني والثقافي في كافة البنى السياسية والإدارية للدولة.
- دستور ديمقراطي: الدعوة إلى اعتماد دستور ديمقراطي يضمن اللامركزية في الحكم والمشاركة الفعلية لجميع المكونات.
- العدالة الانتقالية: إطلاق مسار للعدالة الانتقالية يكشف الحقيقة، ويحقق المساءلة، ويجبر الضرر، ويضمن عودة آمنة وكريمة للمهجّرين، ويرفض أي شكل من أشكال التغيير الديمغرافي.
- مؤتمر وطني شامل: الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني سوري جامع تشارك فيه كافة القوى الوطنية والديمقراطية دون إقصاء.
الإدارة الذاتية: تجربة قابلة للتطوير
أكد المشاركون في المؤتمر أن نموذج الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا يمثل تجربة تشاركية حقيقية، تتميز بقابليتها للتطوير. هذه التجربة، بحسب المؤتمرين، يمكن أن تشكل أساساً متيناً لبناء دولة سورية ديمقراطية تعددية، تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية وتحمي حقوق جميع المكونات. كما شددوا على الدور المحوري للمرأة والشباب والمجتمع المدني في عملية إعادة البناء وترسيخ قيم السلم الأهلي والحوار ونبذ الكراهية.
مؤتمر يعيد الثقة بالمستقبل
على عكس المؤتمرات الشكلية التي تُعقد تحت رعاية سلطات أو حكومات مؤقتة ذات توجه واحد، قدم كونفرانس الحسكة فرصة عملية لإعادة تعريف مفهوم "الحوار الوطني". لقد جعله شاملاً وحقيقياً، ومعبراً عن تطلعات السوريين كافة، لا عن رؤية جهة سياسية واحدة. إنه المؤتمر الذي طالما انتظره السوريون: منصة حقيقية يتشارك فيها الكردي والعربي والسرياني والآشوري والتركماني والأرمني والشركسي، ليس كضيوف على طاولة مُعدة سلفاً، بل كأصحاب قرار ورؤية مشتركة لمستقبل سوريا.
يمكن القول إن الحسكة في هذا اليوم، لم تستضف مجرد مؤتمر سياسي، بل احتضنت مشهداً مصغراً لسوريا التي يطمح إليها شعبها: سوريا حرة، ديمقراطية، لا مركزية، يسودها القانون، وتحترم كرامة جميع أبنائها بلا تمييز. لقد أثبت هذا الكونفرانس أن مستقبل سوريا لن يُكتب بلون واحد، بل بكل ألوانها وتنوعها الغني.