مأزق المشروعيَّة في ظل الجهل التَّشريعيّ
محمد عادل زكى
2025 / 8 / 7 - 07:23
من البداية، يجب أن يكون الموقف واضحًا:
زيادة الإيجار؟ بكل تأكيد نعم.
امتداد للأحفاد؟ بالتأكيد لا.
طرد المستأجر الأصلي؟ هذا هو عين الجشع، والجهل التشريعي في زمن صار فيه الجهل قاعدة عامة!
إذا اتفقنا على تلك الأمور، كان لنا أن نستكمل طريقنا،
ففي لحظة لا تخلو من دلالة، صَدَّق رئيس الجمهورية على قانون الإيجارات الجديد، ليبدأ فصلٌ جديد من النزاع التَّاريخي بين "الحق في السكن" و"شهوة التملّك"، بين مَن يرى في البيت مجرد أصلٍ مالي، ومن يراه حياةً وأمانًا وذاكرة. من النّاحية القانونيَّة، يُمثّل هذا القانون قفزة في المجهول. إذ يكاد يكون من المؤكد، من حيث التَّحليل الفني المحض، أن بعض مواده ستُقضى بعدم دستوريتها، لا لضعفٍ في الصياغة، بل لانتهاكها الصريح لأحكام ومبادئ دستوريَّة مستقرة. فأول ما يصطدم به القانون هو مبدأ عدم رجعية القوانين. فالعلاقات الإيجاريَّة القديمة هي علاقات قانونية نشأت في ظل إطار تشريعيّ محدد، وأي تدخّل لاحق ينسف مضمونها بأثر رجعيّ، هو عدوان تشريعيّ على الحقوق المكتسبة، لا تشريع جديد كما يدّعي البعض. ثم تأتي المسألة التعاقديَّة: فالعقد، في أصل الفقه والقانون، شريعة للمتعاقدين. والمؤجر، حين دخل هذه العلاقة، لم يكن مضلَّلًا أو مغرَّرًا به، بل دخلها بإرادة حرة تنصرف إلى موافقته على أن هذا المسكن المؤجر سيكون لإقامة المستأجر وأسرته. فهل يملك المشرّع أن يعيد تعريف العلاقة بإرادة واحدة بعد عقود من الاستقرار؟ يُضاف إلى ذلك انتهاك مبدأ المساواة، حين يُفرّق القانون بين مستأجر وآخر، أو يُجبر فئات محددة من النَّاس على مواجهة مصير السكن القسري، دون منحهم فرصة حقيقية للانتقال أو التكيّف. (سوف نغض طرفنا تمامًا بكل تأكيد عن سبق ترسمل الريع العقاريّ للمؤجر من سنين)، أن الأخطر من النصوص هو السياق. فالمعركة هنا لا تُخاض على الورق، بل في ساحات المحاكم. والسُّؤال الأخلاقي والسّياسي الَّذي لا بد من طرحه هو: هل ستتجاوب المحاكم مع الدفوع الجادة بعدم الدستوريَّة؟ أم ستغلب "الروح المؤسَّسية المنضبطة" وتُغلق الباب أمام التصريح بإقامة الدعوى الدستورية والإحالة للمحكمة الدستوريَّة، بما يشبه التواطؤ الصَّامت؟ حين تصمت المحاكم، يعلو صوت السياسة. وحين يُختزل الدستور في هامش، يُعاد تعريف العدالة لصالح الأقوى. إن الدفاع عن بيت المواطن ليس قضية فئويَّة، بل اختبار لحقيقة الدولة: هل نحن في دولة تُقدّس النصوص وتحتكم للدستور؟ أم في نظام يراوغ بالحق، ويُحابي الرأسمال، ويمنح التشريع وظيفة العقاب بدل الحماية؟ هذا القانون، وإن بدا أنه نصرٌ سريع لأصحاب الأملاك (الذين سيتحملون الأعباء الضريبية الفادحة والَّتي ستجعلهم يلعنون يوم صدور القانون)، إلا أنه يزرع بذور أزمة اجتماعيَّة ممتدة، لأن "الطرد بقوة القانون" لا يصنع استقرارًا، بل يولِّد غضبًا صامتًا لا تُخطئه عين. وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدولة بعدد القوانين الَّتي تصدر، بل بعدد المرات الَّتي انتصرت فيها لضعف مواطنها.