تحرير العقود، واستعباد البشر


محمد عادل زكى
2025 / 8 / 7 - 07:22     

في مصر، انزعج الرفاق من حكم قضاة الدستور الأخير بشأن القيمة الإيجارية! ثم أصاب الشعب الهلع عقب صدور قانون طرد الناس من بيوتهم، وكأن في الأمر مفاجأة! والحقيقة أن ما يحدث الآن على أرض الواقع ليس إلا المرحلة النهائية لما جرى، وبكل هِمّة، على مدار ثلاثين سنة من التهيئة والتجهيز، برعاية زبانية صندوق النقد. فالرأسمال، على الصعيد العالمي، أهم ما يميّزه أنه يتجاوز كل الأنظمة السياسيّة، خصوصًا المتواطئة والتابعة منها. إنه، ببساطة، يُشكّل الواقع وفقًا لقوانين حركته، ويقود التاريخ نحو الليبرالية الصرفة ويُجذّر هيمنتها.
ومصر، كجزء تابع ومتخلّف من النظام الرأسمالي العالمي، ماضية بعزم في مسايرة الاتجاه السائد عالميًّا. فها هو:
تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر: بدءًا من الأرض الزراعية، مرورًا بالمحال التجارية، وصولًا إلى الوحدات السكنية.
تحرير العلاقات داخل الأسرة (قانون الخلع).
تحرير علاقات النشاط الاقتصاديّ السّلعي والخدمي (قوانين التجارة والاستثمار).
تحرير العلاقة التعاقديَّة في العمل مع انسحاب الدولة وتقليص جهازها الإداريّ (قانون العمل، ثم قانون الخدمة المدنية وتأقيت جميع عقود العمل).
إجلال رجال المال والأعمال (تعديل قانون الإجراءات الجنائيَّة، وإنشاء المحاكم الاقتصادية).
محاباة الطبقات الغنيَّة (حزمة التشريعات الماليَّة الهادفة لنقل العبء الضريبي إلى الفقراء والأشد فقرًا).
ويتساوق كل ذلك مع قناعات مستقرة لدى قضاة الدستور، تُوجّههم نحو تحطيم كل المكاسب الاجتماعية التي حققتها الجماهير في مرحلة تاريخية بعينها.
ولذا، لا مفاجأة فيما يحدث الآن.
ولا يجوز تحميل النظام الحالي وحده كل تلك المآسي، وإن كان مسؤولًا عن تفاقمها. فالمسار متواصل، سلسلة من الانصياع الكامل لتحولٍ نحو نظام يقوده المخبولون العميان.
وستظل الشرايين مفتوحة ما دمنا عاجزين عن نهضة اجتماعية مستقلة، قائمة على الاعتماد على الذات. وما دمنا فريسة سائغة تنهشها مخالب الرأسمال الدولي في حنجرتها.