الوطنية بين وهم الانتماء وأدلجة الولاء: أيهمَا الأصل وأيهمَا التابع؟


منذر علي
2025 / 8 / 4 - 23:58     

هل الوطنية كيان مستقل بذاته، أم أنها قناع أيديولوجي يتبدل حسب مقتضى السلطة؟ وهل يمكن للمرء أن يكون وطنيًا دون أن يكون أيديولوجيًا؟ أم أن الوطنية بذاتها ليست سوى أيديولوجيَا متنكرة بلغة المشاعر؟
من السائد في الخطابات السياسية أن يُفصل، بسذاجة أو بمكر، بين "الوطنية" و"الأيديولوجية"، باعتبار الأولى شعورًا طبيعيًا بالانتماء، والثانية منظومة فكرية تُنتجها النخبة. لكن هذا الفصل، كما قد يرى المفكر نعوم تشومسكي، ليس بريئًا ولا محايدًا، بل هو جزء من الجهاز الدعائي الذي يُفرّغ الوطنية من بعدها النقدي، ويُعيد إنتاجها بصفة أداة طيّعة في يد السلطة.

الوطنية، في جوهرها، ليست مجرد ولاء للأرض، بل هي ولاء لتمثيل ما يُسمى "الوطن" في لحظة تاريخية معينة. وهذا التمثيل غالبًا ما يصاغ عبر الأيديولوجيا. حين يقول النظام إن "الوطن بخير"، فهو لا يعني الشعب، بل بنيته هو، سلطته، شبكته، امتيازاته. وهنا تتقاطع رؤية الفيلسوف التقدمي، سلافوي جيجك الساخرة مع تشومسكي: الوطنية تُستخدم بصفة أداة لإخفاء ما يجري خلف الستار.

إنَّ الحديث عن "الوطنية" مجردًا، دون مساءلة من يملك تعريفها، ومن يفرض حدودها، ومن يُقصى باسمها، هو تقاعس معرفي. فحين يُطلب من الناس أن يُضحوا "من أجل الوطن"، يُفترض أنَّ نطرح سؤالًا مزعجًا: من هو هذا الوطن؟ أهو السلطة؟ أهو السوق؟ أهو التحالفات الخارجية؟ أم هو الإنسان الذي يُسحق كل يوم تحت شعارات الوطنية نفسها؟

جيجك يرى أنَّ الوطنية، في بنيتها العميقة، مزدوجة: يمكن أنْ تكون أداة تحرر، كما في حركات مقاومة الاستعمار، ويمكن أن تكون سلاحًا للقمع، كما في الأنظمة التي تستعملها لتبرير القمع الداخلي والتبعية الخارجية. إنها، بتعبيره، تمثّل "الحلم الذي يتحول إلى كابوس حين يُدار من فوق".
في العالم العربي، تُستخدم الوطنية بصفة شعار في كل الاتجاهات. الأنظمة الخليجية، على سبيل المثال، ترفع راية "الكرامة الوطنية" في حين تحرس القواعد الأمريكية، وتفتح أبوابها للتطبيع مع إسرائيل. وتُدين مناهضي الهيمنة باعتبارهم "عملاء لإيران"، وتُنسق مع أجهزة الاستخبارات الغربية في كل زاوية من زوايا القرار.

تأمل المفارقة: حين تدين كوبا أو فنزويلا أو جَنُوب أفريقيا العدوان الإسرائيلي على إيران، فإنها تفعل ذلك باسم السيادة والعدالة. أما حين تبرر الإمارات أو البحرين أو المغرب التعاون مع إسرائيل، فإنها تفعل ذلك باسم "الوطنية الواقعية" و"التحالفات الاستراتيجية". أي أن الوطنية تُستخدم لتبرير نقيضها. هذا ما يسميه جيجك بـ “الهذيان المنطقي" للأيديولوجيا: أن تستخدم مفردات العدل لتبرير الظلم.

وفي اليمن، تتجلى هذه المفارقة بأوضح صورها.
من يدّعون الوطنية يباركون التدخل الأجنبي، يحثّون الفقراء على الموت دفاعًا عن حدود السُّعُودية، ويصمتون عن الاحتلال الإماراتي للجزر والموانئ، ثم يرفعون أصواتهم ضد "المَدّ الإيراني" لأنهم يخشون من اختلال التوازن الطائفي.
يتحدثون باسم الوحدة، ثم يبررون الانفصال. يتحدثون عن الحِوار، ثم يرفضون الجلوس مع خصومهم السياسيين.

يُدينون "الكهنوت" في صنعاء، في حين يباركون القصف السعودي على الجسور وأماكن الأعراس والمستشفيات، ويحثّون اليمنيين على "اقتناص اللحظة" لإسقاط سلطة هم لا يؤمنون بها، دون أن يسألوا أنفسهم: ماذا عن الملايين الذين ما زالوا يؤمنون بها؟
هل الوطنية أن تحمي بلدك من الاستعمار، أم أن تبرر احتلاله باسم "الشراكة الإقليمية"؟

هل الوطنية أن ترفض الأيديولوجيات الدينية المتطرفة، أم أن تكرّس الطائفية في خطابك السياسي؟

هل الوطنية أن تصمت عن جرائم القصف إذا جاءت من "الحليف"، وتدينها إذا جاءت من "العدو"؟

تشومسكي ينبّهنا إلى أن الخطاب الوطني كثيرًا ما يُستخدم لإضفاء الشرعية على ما لا يمكن تبريره: تقشف اقتصادي، خصخصة، تجويع عسكرة، قمع سياسي، كل ذلك باسم "المصلحة الوطنية".
وجيجك يُضيف أن هذا الخطاب لا ينجح إلا حين يُحوّل "الآخر" إلى تهديد وجودي، سواء كان مهاجرًا، أو شيعيًا، أو اشتراكيًا، أو حتى فلسطينيًا.
إن التحدي اليوم هو أن نُعيد بناء مفهوم الوطنية، لا كأداة ولاء، بل أداة للعدالة.

أن نرفض الخضوع لسلطة تختبئ خلف راية "الوطن"، في حين تُمعن في بيع قراره وسيادته. أننا نُدافع عن فلسطين لا لأننا "عرب"، بل لأننا بشر.

أننا نقف مع إيران إذا دافعت عن سيادتها، لا لأننا نؤمن بولايتها الفقهية، بل لأننا نرفض الإبادة باسم الديمقراطية، ونرفض الهيمنة الصهيونية والإمبريالية ونسعى للعدالة والتقدم.
أننا نرفض الطائفية، سواء جاءت من الرياض أو من طهران، من الشيعة أو من السنة، ولكننا لا نستطيع اجتثاث الشيعة أو السنة، وعلينا أن نواصل طريق التنوير الذي كان بدأه ابن رشد و ابن خلدون وماركس و واصله تشومسكي وجيجيك ومهدي عامل و محمود أمين العالم لتطوير الرؤية الإسلامية.

أن نؤمن أن الوطنية لا تتناقض مع الأيديولوجية، ما دامت هذه الأيديولوجية تُعلي من قيمة الإنسان، وتناهض الاستعمار، وتُدافع عن الحق، لا عن الامتياز.

فالوطن، كما يقول جيجك، ليس المكان الذي وُلدت فيه، بل هو الفضاء الذي يسمح لك أن تفكر بحرية، أن تنتقد، أن ترفض أن تكون أداة في يد سلطة تستدعيك باسم "الولاء"، ثم تُملي عليك من تحب ومن تكره.
وخلاصة القول: الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بالمواقف. ولا تُختبر في الحروب فقط، بل في المواقف التي نأخذها حين تُطلب منا الطاعة، ويُطلب منا أن نصفّق للجريمة باسم السيادة.
الوطنية الحقيقية هي أن ترفض أن تكون بوقًا، وأن تختار أن تكون ضميرًا.