شعبان يوسف يخلع عباءة النقد ليرتدي جلباب الرقيب المتقاعد
محمد فرحات
2025 / 8 / 4 - 17:49
عذرًا، من قال إننا بحاجة إلى شعبان يوسف كي يقيّم نجيب سرور؟!
الرجل ــ أعني شعبان ــ قرر فجأة أن يُصدر قرارًا نهائيًا بإلغاء "الطوطم الثقافي" كما وصفه، وكأننا نعيش في محكمة ابتدائية وهو القاضي والجلاد. نعم، قرر أن نجيب سرور "لم يكن مناضلًا"، وأنه "لم يكن أديبًا فارقًا"، لأنه لم يدخل السجن في قضية مشهورة! وكأن دخول السجن بات معيارًا للمقاومة الأدبية!
ثم يطل علينا بجملة من العبارات الفارغة، ليقول إن "ياسين وبهية" نجحت لأن كرم مطاوع أخرجها، لا لأنها مكتوبة بلغة تحفر في وجدان الريف المصري وجروحه، ولا لأنها تمثّل ملحمة شعرية درامية بامتياز. عذرًا، هل ينجح الإخراج حين يكون النص رديئًا؟ أم أن المسرح بات رقصًا تعبيريًا بلا كلمات؟
أما ما أسماه بـ"القصيدة الشتّامة"، فنترك له ذائقته الرقيقة، التي لم تتحمل فجاجة الشاعر، لكنها تغض الطرف عن "أدب المجاملة"، و"شعر التحنيط"، والكتابة بالمصطلحات المخملية المعلّبة. نجيب سرور كتب بذراعه، كتب من النار، كتب وهو يغلي، وصرخ لأنه كان يرى، لا يتثاءب في مقهى الأدباء!
لكن مهلاً…
هل نسي "الناقد الحصيف" أن عشرات الأعمال الضائعة لنجيب سرور ظهرت في العقدين الأخيرين؟!
أين موقفه من مسرحية «البيرق الأبيض» التي تعد من أهم ما كُتب عن الصراع الرمزي بين الفكرة والموت؟ أين تعليقه على اكتشاف ديوان «إنه الإنسان»، الذي يفكك مأزق الوجود الحديث بلغته المحتدمة؟
أين مقالاته عن الدفاتر النقدية التي تركها نجيب، والتي فاقت في عمقها الكثير من النقاد المؤسسيين؟
أم أن الذاكرة الانتقائية تُفعل ما تشاء حين يخدمها الهوى الشخصي؟
شعبان يوسف، وبكل أسف، ليس أكثر من ضحية لِما يتوهمه توازنًا نقديًا، وهو في حقيقته مجرد "انزلاق محسوب" نحو تبني رواية ضد نجيب سرور لأسباب نفسية أكثر منها موضوعية. ربما ضاق صدره من كثرة الحديث عن نجيب، أو شعر أن الأضواء تُمنح له بعد موته أكثر من الأحياء، فقرر أن يردّ الاعتبار لنفسه لا للحقيقة.
لقد تحولت شهادته من نقد إلى تصفية، من تقييم إلى تهشيم، فوقع في فخ التحيّز الصارخ.
أمّا نجيب سرور، فباقٍ بما كتب، لا بما قيل عنه.
نجيب لم يكن طوطمًا، بل جمرًا يمشي على قدمين، يحرق كل من يحاول أن يطفيه بالماء الفاتر للنقد الكسول.