عن يسارٍ بلا مشروع، وقومية بلا مساءلة
محمد عادل زكى
2025 / 8 / 2 - 01:51
ليس أصعب من الحديث عن المثقف اليساري، إلا الحديث مع مثقف يساري. فهو دائمًا جاهز بخطابه، محفوظ بمقولاته، متجهّم، مقطّب الجبين، كأنه يحمل العالم على كتفيه دون أن يهتز له جفن. وحين تسأله ببساطة: "ما الذي تفعله تحديدًا؟"، يصمت، أو يرفع كتاب ماركس ببطء، كما لو أن حمله يكفي دليلًا على الانحياز. وكأن الثورة تتم بالنوايا، أو تتحقق عبر الكلمات. إنه يعرف الشعارات كلها، لكنه لا يملك مشروعًا واحدًا. يندّد بالرأسمالية من قلب مقهى فخم، يهتف باسم البروليتاريا دون أن يعرف وجهًا واحدًا منها، يحدّثك عن "النضال الطبقي" كأنه فقرة من مسرحية يعرف نهايتها، لا كأنها سؤالٌ مفتوح على الواقع. هو لا يعيش في واقعه، بل في نصّه. يتماهى مع مفرداته لا مع الناس. هو ليس يساريًا بالمعنى الذي أراده ماركس، أي فاعلٌ في العالم، واعٍ ببنيته، منخرط في تغييره، بل صورة كاريكاتورية لرجل اعتاد أن يتحدث باسم "الشعب"، دون أن ينزل إليه. لقد صار المثقف اليساريّ، في عالمنا العربي، ظلًا لصورة قديمة. لم يعد مفكرًا مشتبكًا مع لحظته، بل موظفًا في جهاز لغويّ ميت، يعيد إنتاج مفاهيم مستهلكة بحماسة، وكأن التكرار مقاومة. يقول "الثورة" كما يقول المتديّن "آمين"، ويذكر ماركس كما تُذكر المقدسات، دون أن يتساءل: هل قرأ حقًا هذا الذي يتحدث باسمه؟ هل فهمه؟ هل تجاوزه؟ أم أنه مجرد صدًى باهتٍ لنسخة أيديولوجية مغلقة؟الحقيقة أن كثيرًا ممن يصنّفون أنفسهم يساريين لا يعرفون من ماركس إلا ما يصلح للتداول العام: "الدين أفيون الشعوب"، "الطبقة العاملة"، "القيمة الزائدة"، إلى آخر القاموس القديم الذي يُردَّد كما تُردَّد التراتيل في طقس بلا إيمان: محفوظة لا مفهومة، مكررة لا مُسائلة. أنا لا أهاجم اليسار كفكرة، بل أهاجم تحنيطه. أهاجم اختزاله في قاموس لغويّ، بلا علاقة حقيقية بالممارسة، بلا مساءلة للمفاهيم، بلا انخراط في اللحظة. اليسار حين يفقد مشروعه النقدي، يتحوّل إلى ديكور: إلى نبرة صوت، إلى وضعية يد، إلى وجود كميّ في الندوات، لا أثر له في الواقع. كنت أبحث، في كتابات من يُقدَّمون كمنظرين عرب للماركسية، عن أثرٍ حقيقي لنقد الاقتصاد السياسي، عن مساءلة قانون القيمة، عن علاقة حية مع الأسئلة التي طرحها ماركس عن العمل، الزمن، التراكم، قوى الإنتاج... فلم أجد. وجدت تكرارًا. صدى. انبهارًا باللغة. تأبيدًا لمفاهيم لم تعد تعمل، وتُستخدم كتعويذات لا كمفاتيح. وهذا التكلس اللغويّ لا يتوقف عند مفاهيم الاقتصاد السياسي، بل يمتدّ إلى علاقة هذا اليسار بالمسألة القومية. فبدل أن يكون موقعًا نقديًا يُسائل بنيات الدولة القومية العربية، ويعيد التفكير في علاقتها بالتبعية، وبنيتها الطبقية، وآلياتها في إنتاج القهر الرمزي والمادي، تحوّل هذا اليسار إلى صوت مهادِن، إن لم يكن تابعًا. يصفّق لأي سلطة باسم "المرحلة"، ويبرر أي قمع باسم "التناقضات"، ويعيد إنتاج خطاب الدولة القومية كما لو كان خلاصًا، لا أزمة. لقد تواطأ هذا اليسار، في لحظات كثيرة، مع سرديات "التحرر القومي" التي قادتها نخب عسكرية بيروقراطية، باسم "الوحدة"، و"الصمود"، و"التصدي"، دون أن يجرؤ على مساءلة بُناها، أو التساؤل عن منطق إنتاجها الاجتماعي. لم يرَ في القومية العربية بنيةً قابلة للنقد، بل مشروعًا يجب دعمه أيديولوجيًا. وهكذا، باسم مواجهة الاستعمار، تم تجاهل الاستبداد. وباسم التصدي للإمبريالية، تم تمجيد القمع الداخلي. وباسم "الأمة"، تم سحق الفرد. إن المثقف اليساريّ الذي لا يجرؤ على مساءلة المشروع القومي العربي، بوصفه جهازًا أنتج النخبة، وحجب الشعب، هو مثقف تابع. الذي لا يرى أن مفهوم "القومية" ذاته قد استُهلك وأُفرغ من مضمونه في ظل دول ريعية تسلطية، هو مثقف لا يرى. الذي لا يسائل الأسس المعرفية التي قام عليها هذا المشروع، والمفاهيم التي أعاد إنتاجها، من الأمة، والهوية، والمركز، والحدود، هو مجرد مؤرّخ للسلطة، يبررها بلغة المعارضة. إن اليسار الذي لا يسائل نفسه، ليس يسارًا. بل سلطة تنتظر لحظتها. والمثقف اليساريّ الذي لا يقف في مواجهة السوق، ولا يجرؤ على مساءلة مفهوم "القيمة"، ولا يتأمل شرطه المعرفي بوصفه جزءًا من حداثة أوروبية مهيمنة، هو موظف لا أكثر. الفرق الوحيد بينه وبين الليبرالي، أن أحدهما يحتفي بالنظام، والآخر يسبّه بينما يقتات عليه. إن المثقف الذي يصفق لأي سلطة باسم "الضرورة التاريخية"، أو يبرر كل شيء باسم "التناقضات الموضوعية"، هو مجرد وسيط رمزي بين الهيمنة والجمهور. لا يفككها، بل ينقلها بلغة "نقدية"، فتُعاد صياغتها دون أن تُفضَح. أنا لا أطالب المثقف اليساريّ أن يكون قديسًا. بل أن يكون صادقًا مع أدواته. أن يجرؤ على قتل الأصنام، حتى أصنامه الخاصة. أن يدرك أن ماركس نفسه لم يكن ماركسيًا، وأن "الثورة" لا تعني الوقوف على أنقاض الماضي، بل تحطيم الحاضر. أن يقرأ الاقتصاد السياسي لا بوصفه قشرة خطابية، بل بوصفه سؤالًا وجوديًا: من ينتج؟ من يستهلك؟ من يُقصى؟ من يقرّر؟ وأن يعرف أن "التحرر" ليس شعارًا، بل بنية. لا تتحقق إلا بفهم القوانين التي تنتج العبودية الجديدة، والتي يُعاد فيها تشكيل الإنسان كسلعة، والزمن كوسيلة للسيطرة، والمعنى ككذبة قابلة للتسويق. أما اليساريّ الذي لا يطرح أسئلة جديدة، ولا يهز البنية التي يقف عليها، ولا يقرأ ماركس إلا ليحمي نفسه به، فهو مجرد صوت إضافي في جوقة الضجيج. يساريته تصبح زيًا لغويًا لا فعلًا معرفيًا. يصبح اليسار عنده مرادفًا للمرارة، لا للمشروع؛ للشعار، لا للفكرة؛ للطقس، لا للثورة. وأنا، بعد كل هذا الزمن في مساءلة القيمة، لم أعد أبحث عن صوت يشبهني، بل عن صوت يختلف، يزعج، ينقض. عن يسار لا يكتفي بترديد ماركس، بل يجرؤ على تجاوزه. إن اليسار، في عالمنا العربي، لا يحتاج إلى من يكرّر لغته، بل إلى من يعيد تأسيسه من خارجها.