المثقف اليساري: شبح بلا تاريخ
محمد عادل زكى
2025 / 7 / 30 - 07:28
استكمالًا لحديثنا عن "أزمة الماركسية في العالم العربي"، وعن "ماركس الَّذي لا يعرفه أحد!"، نتحدث اليوم عن "المثقف اليساري" نفسه. والواقع أنه ليس أصعب من الحديث عن المثقف اليساري، إلا الحديث مع مثقف يساري. فهو دائمًا جاهز بخطابه، محفوظ بمقولاته، كاره، رافض، مقطّب الجبين، كأنه يحمل العالم فوق كتفيه، لكنه حين تسأله: ما الَّذي تفعله تحديدًا؟ يصمت، أو يرفع كتاب ماركس ببطء، كما لو أن حمله يكفي دليلًا على انحيازه، وكأن الثورات تقوم بالنوايا. إنه يعرف كل الشعارات، ولا يملك أي مشروع. يندد بالرأسماليَّة من قلب مقهى فاخر، ويهتف باسم البروليتاريا دون أن يعرف وجهًا واحدًا منها. هو ليس يساريًا، بل صورة كاريكاتورية لرجل اعتاد أن يتحدث باسم "الشعب"، دون أن ينزل إليه.
لقد صار المثقف اليساريّ، في عالمنا العربيّ، ظلًا لصورة قديمة. لم يعد مفكرًا مشتبكًا مع واقعه، بل مكرّسًا لنصوصه، حارسًا لأيقوناته، موظفًا في جهاز لغوي ميت، يعيد إنتاجه بحماسة، وكأن التكرار مقاومة. يقول "الثورة" كما يقول المتدين "آمين"، ويذكر ماركس كما تُذكر المقدَّاسات، دون أن يتساءل لحظة: هل قرأ حقًا هذا الَّذي يتحدث باسمه؟ هل فهمه؟ هل تجاوزه؟ أم أنه مجرد نسخة باهتة من نسخة أصليَّة؟ الحقيقة أن كثيرًا ممن يصنّفون أنفسهم يساريين لا يعرفون من ماركس إلا ما يصلح للتداول العام: "الدين أفيون الشعوب"، "الطبقة العاملة"، "القيمة الزائدة"، إلى آخر القاموس العتيق الَّذي يُردَّد كما تُردَّد التراتيل في طقس بلا إيمان، محفوظة لا مفهومة، مكررة لا مُسائلة.
أنا لا أهاجم اليسار كفكرة، بل أهاجم تسطيحها، اختزالها، وتحنيطها. اليسار، حين يفقد مشروعه النقدي، يتحول إلى ديكور. إلى نبرة صوت. إلى وضعية يد. إلى وجود كميّ في الندوات. كنت أبحث في كتابات كثيرين ممن يُقدَّمون كمنظّرين عرب للماركسيَّة عن أثرٍ حقيقي لنقد الاقتصَاد السّياسيّ، عن مساءلة لقانون القِيمة، عن أي علاقة حية مع الأسئلة الَّتي طرحها ماركس بخصوص العمل والزَّمن والتراكم. فلم أجد. وجدت تكرارًا. صدى. انبهارًا باللغة. تأبيدًا لمفاهيم لم تعد تعمل. وكأن الماركسيَّة ليست مشروعًا نقديًا مفتوحًا، بل جهاز مغلق، من يدخل إليه لا يخرج، ومن يخرج منه يُعلن مرتدًا.
إن اليسار الَّذي لا يسائل نفسه، ليس يسارًا، بل سلطة تنتظر لحظتها. والمثقف اليساريّ الَّذي لا يقف في مواجهة السُّوق، ولا يجرؤ على مساءلة "القيمة" كمفهوم، ولا يفكر في شرطه المعرفيّ بوصفه امتدادًا للحداثة الأوروبيَّة، هو موظف لا أكثر. الفرق الوحيد بينه وبين الليبرالي، أن أحدهما يحتفي بالنظام، والآخر يسبّه بينما يقتات عليه. المثقف الَّذي يصفق لأي سلطة باسم "المرحلة"، أو يبرر كل شيء باسم "التناقضات"، هو مجرد وسيط رمزي بين الهيمنة وبين الجمهور. هو ليس خصمًا للهيمنة، بل لسانها المتوتر، ينقلها بلغة معارضة، فلا تُفضَح بل تُعاد صياغتها.
أنا لا أطالب المثقف اليساريّ بأن يكون قديسًا، بل أن يكون صادقًا مع أدواته، وأن يجرؤ على قتل الأصنام، حتى أصنامه الخاصة. أن يفهم أن ماركس نفسه لم يكن ماركسيًا، وأن الثورة لا تعني الوقوف على أنقاض الماضي، بل تحطيم الحاضر. أن يقرأ الاقتصَاد السّياسيّ لا بوصفه قشرة خطابيَّة، بل بوصفه سؤالًا وجوديًا: مَن ينتج؟ مَن يستهلك؟ من يُقصى؟ ومن يقرر؟ وأن يعرف أن "التحرُّر" ليس كلمة، بل بنية، لا تتحقق إلا بفهم القوانين الَّتي تُنتج العبوديَّة الجديدة، والتي يُعاد فيها تشكيل الإنسان كسلعة، والوقت كوسيلة للسيطرة، والحرية ككذبة قابلة للتَّسويق.
المثقف اليساريّ الَّذي لا يطرح أسئلة جديدة، ولا يهزّ البنية الَّتي يقف فوقها، يتحول إلى صوت إضافي في جوقة الضجيج. يساريته تصبح زيًّا لغويًا، لا فعلًا معرفيًّا. وأنا، بعد كل هذا الزمن في نقد القيمة، لم أعد أبحث عن صوت يشبهني، بل عن صوت يختلف، يزعج، يسائل، ينقض. عن يسار لا يكتفي بترديد ماركس، بل يجرؤ على تجاوزه.
إن اليسار ليس بحاجة إلى مزيد من الأصوات الَّتي تنطق باسمه، بل إلى من يجرؤ على إعادة تأسيسه من خارج لغته الميتة.