ماركس: الوثن الَّذي صنعته الهيمنة


محمد عادل زكى
2025 / 7 / 30 - 04:55     

ما نغفله، دون أن نجرؤ على الاعتراف به، أن ماركس نفسه كان جزءًا من البنية التي حاول نقدها. فماركس لم يكن طارئًا على الفكر الأوروبيّ، ولا طعنة في قلب الحضارة الَّتي أنتجته، بل كان، على نحو أكثر دقة، أحد أكثر أبنائها شرعية. كتب ضدها؟ نعم. تمرّد على اقتصادها السّياسي؟ بالتأكيد. لكنَّه لم يخرج منها لحظة واحدة. لم يغادر أفقها، ولم يعثر على لغة خارج بنيتها. كل شيء في مشروعه ينتمي إلى تلك القارة الَّتي أعلنت على العالم وحدانيتها: لغته، أدواته الفكرية، فرضياته النظرية، وحتى طريقة نقده. فحين قرر أن يُسائل الرأسماليَّة، لم يُنتج جهازًا مفاهيميًا من خارجها، بل استعار لغة أسلافه، بتي، وكينيه، وسميث، وريكاردو، وحاول أن يقلبها على رأسها، لكنه لم يُغادرها. هو ابن شرعي للهيمنة، لا خصم خارجي لها. عدوّ داخلي، نعم، لكنه من نفس البيت. والأدهى، أن لحظة "العالمية" الَّتي بلغها ماركس لم تكن لحظة فكر، بل لحظة تبنٍ سياسي. ماركس الَّذي عرفه رفاقنا في "وسط البلد" ليس مفكر قانون القيمة ولا منظّر ثمن الإنتاج، بل ماركس الدولة، الَّذي صِيغ على يد السلطة، ووُزّع على الشعوب منقّحًا، مُبسّطًا، صالحًا للاستهلاك، مخصيًا من أسئلته، محميًا من النقد. ما كان لهؤلاء أن يعرفوا شيئًا عن الرسالة الَّتي كتبها لزوجته، ولا عن حياته الممزقة بين الطرد والمطاردة، ولا عن جدله العميق مع هيجل، لولا أن أجهزة دول، وأحزابها، ومطبوعاتها، هي من سمحت بمرور صورته عبر الترجمة، والنشر، والتلقين. إن ماركس الَّذي نقرأه اليوم ليس ذلك الَّذي كتب رأس المال، بل ذلك الَّذي صاغته لجان المركزيات الحزبية في موجزات أوليه وكتيّبات صغيرة الحجم، رخيصة الثمن، محشوّة بالاقتباسات الجاهزة. هذا ماركس لا يزعج أحدًا، بل يُرضي الجميع: سهل، واضح، حزبيّ، ثوريّ دائمًا، صاخب، لكنه بلا عُمق. هذا ماركس تُتلى جمله على المنابر، لكن لا أحد يقرأ منه سطرًا كاملًا. هذا ماركس الَّذي يمكن أن تحفظه، ثم تتحدث باسمه، دون أن تكون قرأته حقًا. والمفارقة أن أسماء المفكرين الَّذين صنعوا الاقتصاد السّياسيّ من الأساس، لا وجود لها في الوعي الجمعيّ اليساري. من من هؤلاء المثقفين قرأ ريتشارد كانتيون؟ مَن يعرف فرانسوا كينيه أو جدوله الاقتصادي؟ مَن ناقش كانتيون، أو انشغل بطريقة صياغته لمفهوم القيمة المبكر؟ حتى سميث وريكاردو، وهما من الآباء المؤسسين لعلم الاقتصاد السّياسي، يبدوان كأشباح غامضة، تُلعن أسماؤهم، دون معرفة، أو وعي، أو حتى فضول. هؤلاء لم تُترجم أعمالهم بما يكفي، ولم تتبنّهم أجهزة الدول الثورية، ولم يظهروا في "كراسات التعميم" أو كتب "التثقيف الحزبي"، فظلوا في الظل، بينما ماركس وحده، المدعوم سياسيًا، المعلّب إيديولوجيًا، خرج إلى النور… أو ما ظنّوه نورًا. ليس العيب في ماركس، بل في الطريقة الَّتي حوّلته إلى رمز، ثم نزعت منه جوهره. ماركس، الَّذي أراد تفجير الرأسماليَّة من الدَّاخل، تحوّل هو نفسه إلى وظيفة رمزية داخل النظام: صار أيقونة، صار شعارًا، صار ورقة اعتماد في السيرة الذَّاتية للثوري الَّذي لم يقرأ. هكذا تبتلع الهيمنة أعداءها: لا بمحاربتهم، بل بإعادة إنتاجهم. تمتصّ فكرهم، ثم تُفرغه من معناه، وتعيد ضخه بعبارات جاهزة، حتى لا يبقى فيه أثر للقلق، ولا خطر في السُّؤال. إن إعادة التفكير في ماركس، اليوم، لا تعني نقده فحسب، بل تعني أيضًا مساءلة التَّاريخ الَّذي جعله "مسموعًا". علينا أن نتوقف عن التعامل معه كحقيقة جاهزة، وأن نعود إلى اللحظة الَّتي جعلته ممكنًا. لا لنعاديه، بل لنفهم لماذا نعرفه، ولماذا نجهل من قبله. ولماذا صار، هو دون سواه، صوتًا ثابتًا في كل مكتبة حزبية، بينما اختفى الآخرون، من دون أن يحزن عليهم أحد. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: ماذا قال ماركس؟ بل: لماذا صرنا لا نعرف غيره؟ من قرر أن يكون هو الواجهة الوحيدة لنقد الرأسماليَّة؟ من اختزلنا في صورة مفكر واحد، وأخفى كل ما قبله وكل ما بعده؟ إن إنقاذ ماركس لا يكون بإعادة قراءته، بل بإعادة تفكيك اللحظة الَّتي صنعت صورته، وفرضتها كحقيقة. لا يكفي أن نحفظ جُمله، بل يجب أن نكسر تمثاله. لا لأنه خطأ، بل لأن تماثيله تمنعنا من رؤيته كما هو: مفكرًا من المفكرين الَّذين حاولوا المساهمة في بناء فهمنا للعالم، لا استثناءً خارقًا، ولا لحظة مطلقة، بل حلقة في تاريخ، ينبغي أن نقرأه كما نقرأ غيره: بعين ناقدة، لا بعين خاشعة.