نكار تجويع غزة لا يقل دناءة عن إنكار الهولوكوست
جدعون ليفي
2025 / 7 / 28 - 07:17
الإنكار أمر مشروع في إسرائيل، ويتماشى مع ما يُعرف بالصوابية السياسية المحلية – لا يوجد جوع، ووصف التجويع المتعمد في غزة هو مؤامرة معادية للسامية.
لا توجد ظواهر أكثر دناءة من إنكار الهولوكوست اليهودي. المنكرون زعموا أنه لم يحدث، أو إن حدث فإن عدد الضحايا كان ضئيلاً، أو أنه لم تكن هناك غرف غاز.
لقد استعانوا بقياسات ومعطيات تدعم زعمهم. وادعوا أن الهولوكوست كان مؤامرة لابتزاز التعويضات والتعاطف. وقد تم تجريم إنكاره في العديد من الدول، ويُعتبر المنكرون معادين للسامية. المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينغ سُجن في النمسا ونُبذ من المجتمع.
التشكيك في أحداث 7 أكتوبر لقي إدانة شديدة في إسرائيل، وكل من تجرأ على ذلك وُصم بالعداء للسامية. عندما قال روجر ووترز* إنه لا يوجد دليل على حدوث اغتصاب، وإن قصة حرق الأطفال في الأفران كذبة إسرائيلية، واجه هجوماً واسعاً، شأنه شأن كثيرين ممن أشاروا إلى المبالغات في الرواية الإسرائيلية.
إسرائيل تُجَوِّع غزة
عار التجويع المتعمد: حرب إسرائيل على غزة باستخدام الجوع
هذا الاحتجاج لن يُنهي الجوع في غزة، لكنه مزق جدار الخوف لدى عرب الداخل
في الأسابيع الأخيرة، تجتاح إسرائيل – ويا للمفارقة – موجة دنيئة من الإنكار. وهي شائعة بين شرائح واسعة من الجمهور، وتتبناها تقريباً كل وسائل الإعلام.
لقد حاولنا التجاهل، الإخفاء، صرف النظر، لوم حماس، القول إن هذه طبيعة الحروب، الادعاء بأنه لا يوجد أبرياء في غزة – حتى فاضت جرائم إسرائيل في القطاع.
ومع بدء التجويع المتعمد والقاتل، لم يبقَ سوى اللجوء إلى الإنكار – وهو لا يقل حقارة عن إنكار الهولوكوست.
الإنكار الحالي يشمل إنكار النية الإبادية والهدف الصريح المتمثل في تهجير سكان غزة.
مثل هذا الإنكار يُعتبر مشروعاً في إسرائيل، ويتماشى مع المعايير السياسية المحلية – لا يوجد جوع! ولا أحد يُحاسب أو يُلام على التسبب به.
لقد أصبح هذا الموقف جزءاً من التيار السائد. توصيف التجويع المتعمد في غزة يعد مؤامرة معادية للسامية. وإذا كان هناك جوع، فـ"اسألوا حماس".
هكذا تكون الأمور عندما تنفد الأعذار، وتفشل الدعاية، وتفسد الأخلاق لدرجة إنكار الجوع حتى عندما تُعرض مشاهده بوضوح. ما الحق الذي يمتلكه الناس ليقولوا هذا؟
هناك خمسون شكلاً من الإنكار الإسرائيلي – وجميعها مدانة ومثيرة للاشمئزاز. تتراوح بين صرف النظر، ورفع الحواجب، والتشويش، والإخفاء، والكذب على النفس.
كلها تهدف إلى أمر واحد: الهروب من المسؤولية، والاستمرار في لعب دور الضحية، مع ترديد أناشيد تمجيد الذات. والمنكرون ينتمون إلى جميع شرائح المجتمع.
من بينهم أربعة باحثين إسرائيليين كتبوا مقالاً بعنوان "ما يُسمى بالإبادة الجماعية في حرب السيوف الحديدية"، وقد فضحهم المؤرخ المختص بالهولوكوست دانيال بلاتمان والصحفي نير حسون (في النسخة العبرية من هآرتس) – وأيضاً المرأة التي كانت توزع صحيفة "إسرائيل اليوم" المجانية، والتي قالت لي بثقة تامة إن صور المجاعة "من اليمن أو انها منتجة عبر الذكاء الاصطناعي".
كما يشمل ذلك الصحفية التلفزيونية المتعجرفة موريا أشرَف، التي أسكتت الصحفية الحرة إيمانويل إلباز-فيلبس بطريقة مثيرة للاشمئزاز، وكل محرري نشرات الأخبار في التلفزيون، الذين يُخفون ما يحدث في غزة.
الإنكار رافق إسرائيل منذ نكبة عام 1948، التي لم تحدث أبداً حسب الرواية الرسمية، واعتُبرت مجرد خيال لدى كارهي إسرائيل. واستمر هذا الإنكار طوال سنوات الاحتلال والفصل العنصري.
لا توجد أي دولة في العالم تعيش في هذا القدر من الإنكار الذاتي، ويعود الكثير منه إلى "الصحافة الحرة" في إسرائيل. لكن ما يحدث في الأسابيع الأخيرة يحطم كل الأرقام القياسية في الانحطاط.
"لا يوجد جوع في غزة." فهناك شاحنات تنتظر على المعابر، وآباء الأطفال الذين يموتون من الجوع "سمان"، وهناك فيديو لمسلحي حماس يأكلون الموز في الأنفاق (صورة التُقطت قبل ستة أشهر، ويُروج لها الآن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أكبر ناشري الأكاذيب في البلاد).
هناك ما هو أكثر دناءة من الهروب من المسؤولية: إنه ازدراء الضحية – الطفل الذي يموت بين ذراعي أمه، التي تحمله وهي تبكي. أن تقول لها إن التجويع ليس متعمداً، انه معادل لسخريتك من ألمها.
لطالما اعتقدت أن الإسرائيليين سيرفضون تصديق أي أدلة، مهما كانت مرعبة. وها هو الدليل الآن حاضر. صور المجاعة تملأ شاشات التلفزة والصحف حول العالم، والإسرائيليون ينكرونها.
وبأي ثقة يدّعون أن هذه الصور مزيفة، وأنه لا يوجد جوعى، وأن هناك موزاً، وأن 80 شاحنة تدخل غزة يومياً.
وهذا بالضبط ما فعله الأكاديمي الفرنسي البروفيسور روبرت فوريسون: قال إنه وفقاً لحجم غرف الغاز، لم تحدث الهولوكوست مطلقاً.