عار التجويع المتعمد: حرب الجوع التي تشنها إسرائيل في غزة


جدعون ليفي
2025 / 7 / 24 - 06:21     

تسير خطة إسرائيل لتطهير قطاع غزة عرقياً بخطى سريعة، وربما حتى أفضل مما كان متوقعاً. فإلى جانب الإنجازات "الملحوظة" في القتل المنهجي والتدمير، شهدت الأيام الأخيرة تحقيق إنجاز بالغ الخطورة: بدأ التجويع المتعمد يؤتي ثماره.
تنتشر آثار هذه السياسة بسرعة، وتحصد الضحايا بأعداد لا تقل عن أولئك الذين يموتون جراء القصف. من لا يموت أثناء انتظاره للطعام، تزداد فرص موته جوعاً.
سلاح التجويع المتعمد يعمل بفعالية. لقد تجسدت "مؤسسة غزة الإنسانية"، بشكل مأساوي، قصة نجاح. لم يُقتل مئات الغزيين فقط أثناء انتظارهم في طوابير للحصول على مساعدات توزعها المؤسسة، بل هناك من لم يتمكن حتى من الوصول إلى نقاط التوزيع، ومات جوعاً. ومعظم هؤلاء من الأطفال والرضّع.
في يوم الأربعاء وحده، توفي 15 شخصاً بسبب الجوع، من بينهم ثلاثة أطفال ورضيع يبلغ من العمر ستة أسابيع. ومنذ بداية الحرب، بلغ عدد الوفيات بسبب الجوع 102، من بينهم 80 طفلاً، مع تزايد الأعداد في الأيام الأخيرة.
الصور التي تُخفى عن الرأي العام الإسرائيلي من قبل الإعلام المحلي "الإجرامي"، الذي لن يُغفر له صمته وتغاضيه عن مأساة غزة، تُشاهد في بقية أنحاء العالم. إنها صور تذكّر بصور الناجين من معسكرات الاعتقال، صور من المحرقة/الهولوكوست. إخفاؤها بمثابة إنكار لواقعها.
هياكل الأطفال الرضع، أحياء وأموات، الذين تبرز عظامهم من تحت الجلد الهزيل، وقد ذبلت عضلاتهم، وأعينهم وأفواههم مفتوحة، بوجوه هامدة.
إنهم ملقون على أرضيات المستشفيات، أو على أسرّة عارية، أو يُنقلون على عربات الحمير. إنها صور من الجحيم. في إسرائيل، يرفض كثيرون هذه الصور، ويشككون في صحتها. بينما يُبدي آخرون فرحهم وفخرهم عند رؤيتهم لأطفال يتضوّرون جوعاً. نعم، هكذا صرنا كذلك.
تحويل التجويع المتعمد إلى سلاح شرعي ومقبول بين الإسرائيليين، سواء بالدعم العلني أو باللامبالاة الباردة، هو المرحلة الأكثر شيطانية حتى الآن في الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة.
وهو أيضاً السلاح الوحيد الذي لا يمكن تبريره بأي ذريعة أو تفسير. حتى جهاز الدعاية الإسرائيلي اللامحدود لم يتمكن من تبريره. لقد أصبح التجويع وسيلة شرعية لأنه يخدم الهدف: التطهير العرقي.
يجب إدراك هذه الحقيقة ورؤية استمرار الحرب في هذا السياق. فكما تستفيد إسرائيل من القتل بالرصاص، فإنها تجني مكاسب أيضاً من الجوع الذي يفتك بمئات الأرواح. بهذه الطريقة وحدها يمكن تحويل غزة إلى مكان غير صالح للعيش، وبذلك فقط يمكن دفع سكانها لمغادرتها "طوعاً"، أولاً إلى "المدينة الإنسانية"، ومن ثم إلى ليبيا، أو إلى أي مكان آخر لا يعلمه إلا الله.
الجوع أصبح مرئياً على الجميع. الصحفيون الفلسطينيون في غزة، الذين لم يُقتلوا بعد على يد جيش الاحتلال، يقولون إنهم لم يأكلوا شيئاً منذ يومين أو ثلاثة.
حتى الأطباء الأجانب تحدثوا يوم الأربعاء عما أكلوه – أو بالأحرى ما لم يأكلوه. طبيبة كندية في مستشفى ناصر قالت إنها لم تأكل في اليومين السابقين سوى وعاء صغير جداً من العدس. هي لن تتمكن من الاستمرار في علاج المرضى والجرحى بهذه الطريقة. وهذا أيضاً يصب في مصلحة إسرائيل.
رافقت قناة الجزيرة شاباً خرج للبحث عن طعام لأطفاله. بحث طويلاً حتى عثر على كيسين من الدقيق الإسرائيلي وزجاجة زيت في أحد الأسواق. لكن السعر كان مئات الشواقل للكيس، فعاد إلى منزله خالي الوفاض، إلى أطفاله الجائعين. في الاستوديو، شرحوا المراحل الثلاث المؤدية إلى الموت جوعاً. أطفال هذا الرجل كانوا في المرحلة الثانية.
لقد حوّل التجويع المتعمد هذه الحرب إلى أبشع حروب إسرائيل، بل إلى أكثرها إجراماً. لم يحدث أن جُوّع مليونا إنسان بهذه الطريقة من قبل.
ومع ذلك، هناك ما هو أسوأ من التجويع المتعمد: اللامبالاة التي يُقابل بها هذا التجويع في إسرائيل. على بُعد ساعة ونصف فقط بالسيارة من المكان الذي مات فيه الطفل يوسف الصفدي يوم الأربعاء، بعدما فشلت أسرته في إيجاد أي بديل لحليب الرضع.
بينما كان يوسف يلفظ أنفاسه، كانت القناة 12 الإسرائيلية تعرض برنامج طبخ، وكانت نسب المشاهدة مرتفعة.