صفحات من التأريخ: الحزب الشيوعي العراقي ، 14 / تموز /1958 والاحداث التي تلتها


رشيد اسماعيل
2025 / 7 / 20 - 14:41     

صبيحة يوم 14 تموز 1958، كان عمري وقتها عشر سنوات، وفي حوالي الساعة السادسة صباحا تقريبا على ما اذكر، والناس آنذاك كان من عاداتهم النوم فوق سطوح الدور وخاصة في فصل الصيف، سمعنا هدير الجماهير تصدح عاليا بشكل لا يصدق ولم نرى مثله ابدا، يملأها الفرح والاهازيج والهتافات بشكل كبير معبرين عن املهم ان تعم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية في هذا البلد .
هذا الزلزال الكبير الذي عمّ البلد، اعتبره البعض انقلابا والبعض الآخر وهم الأكثرية، اعتبروه ثورة او تغيير، وللحقيقة الكثير من المفكرين والمحللين وحتى المخالفين لـ 14 تموز اعتبروه ثورة وذلك لاحتضان الجماهير الواسعة لها.
في الأيام الاولى مرت الامور بسلاسة وانسجام بين قادة 14 تموز، الى ان بدأت الخلافات تبرز وتطفوا الى السطح طروحات قومية ضيقة، ومنها الوحدة الفورية مع مصر عبدالناصر وذلك من قبل الشخص الثاني عبدالسلام عارف، او الوحدة الفيدرالية من قبل اليسار، في هذه اللحظات بدأ التمترس والتخندق من قبل قسم يروها فرصة للدفع باتجاه التطور والتقدم وبناء نموذج ديمقراطي من أجل بناء انسان جديد، وغالبية الموجودين في هذا الخندق هم من العمال والفلاحين والليبراليين، اضافة الى الشيوعين. الخندق الاخر يتواجد فيه القوميون والبعثيون والاسلاميون. باكورة الخلاف بدأت عندما حاول عبدالسلام عارف اغتيال عبدالكريم قاسم، وعلى اثر ذلك توسع الخلاف وأدى الى القطيعة بين التيارين ما دفع بتيار القوميين والبعثيين بالتنسيق الجاد الممركز والاستنجاد بـ عبدالناصر والسفارات الاجنبية في اسقاط نظام قاسم، كانت المحاولة واسعة وقوية وهي محاولة الشواف الاعتماد على سوريا والاقطاع واحمد الياور والدول الغربية، كانت الاهداف متعددة اول هذه الأهداف هو انهاء نظام قاسم والتبرير هو الصاق تهمة الشيوعية بالنظام، مع العلم ان اول تشكيل وزاري كان فيه ديمقراطيون وليبراليون وبعثيون وقوميون مع ابعاد الشيوعين عن التشكيلة بالرغم من وجود اكبر مجموعة للضباط الاحرار من الشيوعين، وثاني الأهداف هو قمع الجماهير المتطلعة نحو الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتي لم تتوقف ابدا في نضالها نحو عالم جديد، وثالث الاهداف هو إعادة العراق لـ "الاسطبل" الانجليزي والغربي.
استخدم قاسم الشيوعين لقمع مؤامرة الشواف، قيادة الحزب الشيوعي آنذاك انقسمت مواقفها من نظام قاسم، واخيرا بدأت بالسير وفق توجيهات موسكو كذيل واداة بيد قاسم، يذكر فواد عارف في مذكراته انه تم تصفية اكثر من 400 كادر شيوعي من عام 1959 الى 8 شباط 1963 والحزب في سبات! في يوم 8 شباط المشؤوم، قتل اكثر من( 5000) انسان في الشوارع بتهمة الشيوعية او الديمقراطية أوالمقاومة ضد الانقلاب، وزُج بالآلاف في غياهب السجون، في الايام الأولى من ذلك اليوم المشؤوم، انقطع الاتصال بين التنظيمات المدنية والعسكرية، اي لا يوجد مركز قيادي يوجه سير الحركة، فمجموعة جمال حيدري وصالح العبلي وعبدالجبار وهبي في بغداد، وفي الفرات الأوسط هناك باقر ابراهيم الموسوي وجاسم الحلوائي وفي الشمال يوجد عزيز محمد ، ومجموعة حسن سريع في التنظيم العسكري والتي كانت تتكون من مراتب عسكرية رئيس عرفاء وعريف الى مستوى جنود وفي مختلف الصنوف من الدبابات الى الهندسة العسكرية وبقية الصنوف وكان تنظيم قوي ومتماسك وينتشر في معسكر الرشيد ومعسكر ابو غريب وبقية الوحدات في بغداد وضواحيها، جرى اتصال وحوار مع مجموعة حسن سريع وأقيمت العلاقة معهم من قبل جمال حيدري اولا ومن قبل باقر ابراهيم الموسوي ثانيا، فرفض وكان صلة الوصل بينهم هو هاشم الالوسي، حتى ان جمال حيدري وصلته أخبار مسألة التحرك للمجموعة، اي مجموعة حسن سريع، وطلب تأخيرها لاحتدام الصراع بين المتآمرين، الا انهم رفضوا ولم يقبلوا، لم يأتي هذا الرفض من فراغ حيث جاء أولا: كانحدار وكانحياز طبقي، حسن سريع ورفاقه هم من الطبقه الفقيرة والمعدمه، اي هم اولى بالأمر وذلك لإحساسهم بالحرمان والبؤس والفقر، أي ان الحس الطبقي كان في اوجهه لديهم، ثانيا: كما اسلفت الحزب الشيوعي لم يكن له اي موقف بل كان متأرجحا بين مصالح السوفييت وتوصياتهم وبين عبد الكريم قاسم، لذا فان حسن سريع ورفاقه لم يبق لديهم اية ثقة باي مركز حزبي بعد الثامن من شباط .
ان الشجاعة والاقدام التي اتصفت بها حركة حسن سريع ورفاقه تتسم بتحمل المسئولية وعواقبها ان فشلت، فسطروا اروع صور التضحية والشجاعة والاقدام بالرغم من قلة عددهم وقلة تجربتهم. الحزب الشيوعي في بداية 14 تموز اصبح حزبا اجتماعيا متغلغلا داخل المجتمع وموجودا في كل مكان حتى بين ابناء رجال الدين والاقطاع وبين الاسر التي كانت جزءا من الاحتلال البريطاني وحتى بين مجموعة البلاط الملكي قسم من ابنائهم كانوا في التنظيمات الشيوعية.
مع كل الانتكاسات التي ذكرتها وبالعجالة التي مر بها الحزب الشيوعي ما ادى الى فقدان الثقة لدى شريحة كبيرة من العمال الفلاحين والمعدمين بالحزب، فالبرنامج مطاطي ولا يمثل مصالحهم انما مصالح السوفيت ونظام قاسم ما ادى الى ان تتراجع مكانته كثيرا وبدرجة كبيرة، اي بكلام اخر فقدان الثقة بالتغيير داخل المجتمع نحو عالم افضل عالم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، اي اصبح الحزب الشيوعي لا يمثلهم، وهو ما انعكس بشكل كبير على مجموعة حسن سريع فانشقوا عن الحزب الشيوعي، واعتقد انه اول انشقاق حقيقي بعد الثامن من شباط 1963 ولو ان المورخين والباحثين في الشأن الشيوعي العراقي لم يتمحصوا هذا الموضوع بشكل دقيق، بعد ذلك جاء انشقاق اللجنة الثورية وقيادة سليم الفخري وجماعة الكادر ابراهيم علاوي والقيادة المركزية.
تحية لحركة حسن سريع ورفاقه الابطال الميامين الذين سطروا اروع الصور في التخطيط والعمل والثقة بإنجاز المهمة العظيمة في التمرد والتغيير التي اعطت امل للعمال والمفقرين والمعدمين بإمكانية تغيير الحياة لصالحهم ولصالح المجتمع وفقا لإرادتهم واقدامهم، تحية لكل المضحين بحياتهم من اجل عالم الاشتراكية والشيوعية.