قدمت لهم الوعي ما استطعت


عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 7 / 20 - 08:17     

كان عبد الخالق محجوب قامة لا تنحني أمام الفواجع، ومشهداً متمرداً على كسل اللغة، وشعلة أضاءت لأجيال كاملة درب التحول من العبودية إلى الحرية. لا يُختصر في لقب ولا يُؤرخ له كحدث، ولكن يُروى كما تُروى الأساطير التي تصير تاريخاً حين تتجذر في وعي الجماهير. هو الرفيق الذي لم يُرِد مجداً شخصياً، بل أراد للشعب أن يعانق مجده الجمعي بالوعي، وبالوعي فقط.

كان عبوره في الزمن السوداني عميقاً كجذر، يراكم المعنى داخل كل خلية في جسد الكادحين. لم يكن صانعاً للشعارات بل مفككاً لأقفاصها، لم يكن عرّاباً للخطابة، وإنما مهندساً للمعنى في خطاب الجماهير. حين كتب، كتب مثل من ينقّب في صخر الأوهام ليُخرج الماركسية من قوالب التبعية ويزرعها في تربة السودان. ماركسيته لم تكن صدىً لما كُتب في موسكو، بل كانت تجربة فكرية نحتها من صراع الطبقة العاملة في السكة الحديد، من تمرد المزارعين على السخرة، ومن أغاني البنات في أزقّة العباسية.

رآه الشعراء قبل أن تراه الدولة. كتب فيه أسامة الخوّاض: "كان عبد الخالق جملة من الضوء، جملة من الوعي المتّقد، رجلٌ يتقدّم الصفوف دون أن يعلو الصوت." رثاه محجوب شريف لا كميت، بل كذاكرة لم تمُت: "وسط الناس نزل بالحزب الشيوعي، ومن كل الزوايا، ولّي ما لا نهاية." أما جيلي عبد الرحمن، فقد جعله ساريةً للناس الذين لا يهابون المشنقة لأنهم ولدوا ليصنعوا التاريخ لا ليرثوا جثثه.

خرج عبد الخالق من عَرق العمال، من اعتصامات عمال السكة حديد في عطبرة، من تمرد عمال الغزل والنسيج، من تماهيه مع تلاميذ المدارس وهم يتهجون أبجديات الثورة على هوامش الكراسات. لم يكن منظرًا من برج عاجي، بل صانعًا لتكتيك الجماهير، لا يفاوض على نصف الحقوق، ولا يؤمن بأنصاف الحلول.

حين سئل: "ماذا قدمت لشعبك؟"، أجاب كما يجيب من يعرف الفرق بين الفعل والضجيج: "قدمت لهم الوعي ما استطعت." لم تكن الإجابة دفاعاً، بل مشروعاً بأكمله في سطر. لم يَعِدهم بالثورة، بل علّمهم أدواتها. لم يمنحهم النصر، بل مهّد لهم الطريق إليه. وحين ارتقى إلى المشنقة، فعلها بكرامة المفكر، وببسالة المقاتل، وبصمت العارف أن موت الوعي مستحيل ما دامت الطبقة موجودة.

لقد كان في كلماته ما هو أكثر من البلاغة، كان فيها نبض ماركس وهو يعيد صياغة الواقع عبر أدوات التحليل الطبقي. في كتاباته كان التناقض الأساسي واضحًا كالشمس، وكان انحيازه للفقراء ليس انفعالًا ولا حسًا أخلاقيًا بل موقعًا ماديًا في الصراع. حتى في لحظة الشهادة، لم ينكسر، لم يساوم، لم يُطالب بالعفو، بل صعد للموت كما يصعد المقاتل لآخر معركة.

تجلّت صورته في قصائد أمل دنقل حين كتب: "المجد للشيء الذي لا يموت"، وفي صوت سميح القاسم حين صرخ: "أنت تبدأ حين ينتهي الآخرون"، وفي صبري شامخ وهو يهمس: "من قال أن المشنقة تُنهي الحكاية؟ هي تفتح السطر الأول في كتاب الثورة".

عبد الخالق لم يكن ذلك الشهيد الذي يُبكى، بل الذي يُستدعى كلما احتجنا إلى قنديل في النفق. لم يمنحنا أجوبة جاهزة، بل أعطانا أدوات النقد، منهج التحليل، وشرارة الشك المبدع. علمنا أن لا ثورة بلا نظرية ثورية، ولا نضال بلا تنظيم، ولا نصر بلا وعي طبقي يقلب موازين السيطرة من أسفل.

وهكذا ظلّ بعد موته حيًّا بيننا. فقد كان فكرة. فكرة التحرر، وفكرة التنظيم، وفكرة أن الإنسان لا يولد حرًا بل ينتزع حريته عبر النضال.

من أراد أن يفهم عبد الخالق، فعليه أن ينزل إلى لجان المقاومة، إلى ورش النقابات، إلى اجتماعات التثقيف، إلى النقاشات الحادة حول التكتيك والاستراتيجية، هناك فقط يُمكنه رؤية الرفيق.

في كل عامل يمد يده نحو "الوعي"، في كل عاملة تنظّم زميلاتها، في كل طالب يصرخ ضد الإمبريالية، في كل زنزانة يُكتب فيها منشور … هناك، يتجلى عبد الخالق.

"لا تحفروا لي قبراً... سأصعد مشنقتي وأغسل بالدم رأسي وأطبعها نجمة فوق واجهة العصر"

النضال مستمر،،