صدمة الحداثة


محمد عادل زكي
2025 / 7 / 10 - 02:48     

منذ بدأت في نقد الاقتصاد السياسي، لم تكن الحداثة بالنسبة لي مجرد مرحلة تاريخية أو تطور معرفي، بل كانت، ولا تزال، بنية قسرية أُفرِضَت على العالم تحت ستار العقل والعلم والتقدم. لم أكن يومًا من أولئك الذين ينظرون إلى الحداثة باعتبارها خلاصًا، أو مرحلة ضرورية في تطور الوعي الإنساني، بل كنت دائمًا أنظر إليها كما هي: لحظة عنف رمزي ومادي، لحظة تم فيها إعادة تشكيل العالم وفق منطق أحادي يزعم العالمية، بينما لا يعترف إلا بالذَّات الأوروبيَّة كمركز، وكحقيقة نهائية. لم تأتِ الحداثة إلينا عبر كتب الفلاسفة أو نظريات التنوير، بل جاءت محمولة على حراب المستعمرين، وعلى السفن التي رست على سواحلنا ليس فقط لتنقل السلع، بل لتفرغ عقولنا من ذواتها، وتعيد تشكيلها وفق نموذج واحد، لا يُسمح لنا إلا باستنساخه أو الخضوع له. نحن، في هذا الجزء المنكوب من العالم، لم نولد داخل الحداثة، بل صُدمنا بها. لم نتنفسها كتطور داخلي، بل تلقيناها كهجوم خارجيّ. كانت صدمة حضاريَّة، كانت غارة سريعة على وعي هش، نُزع من تاريخه، ثم أُعيد تشكيله كمرآة مكسورة لا تعكس إلا صور الآخرين. لقد عايشت، عبر قراءتي لكتابات كانتيون وكينيه وسميث وريكاردو وماركس، كيف بنت الحداثة نفسها من خلال مفهوم السُّوق، وكيف تحوّل الاقتصاد من نشاط اجتماعي إلى بنية قانونية تُنتج الإنسان كما تُنتج السلعة. كل مفاهيم التقدم التي تسكن خطاب الحداثة، وكل مسلمات الحرية الفردية والعقلانية، كانت، في العمق، مجرّد أدوات لإعادة إنتاج السيطرة لا لتحرير البشر. ماركس، الذي حاول أن ينتزع هذا الوعي من قبضة الرأسمال، سقط هو نفسه، في بعض مراحله، في فخ الحداثة حين افترض أن التاريخ يسير وفق خط تطوري واحد، وأن المجتمعات ستسلك الطريق ذاته. وأنا، في اشتغالي على نقد قانون القيمة، والنظرية السائدة في نمط الإنتاج كنت أقاوم ذلك التواطؤ الكامن في عمق الفكر الاقتصادي، والذي يمنح أوروبا امتياز لحظة البداية، ويُرسّخ مفاهيمها باعتبارها مقياسًا عالميًا يُقاس به كل شيء، دون مساءلة. الحداثة، كما وصلت إلينا، لم تكن سؤالًا نقديًا مفتوحًا، بل كانت نظامًا مغلقًا، يفرض منطقه كقانون طبيعي، ويقيس كل ما عداه بوحداته. حتى الزمن، الذي كنت أدرسه كعامل مغفَل في تشكيل القيمة، تم تحويله داخل خطاب الحداثة إلى أداة انضباط، وسلاح بيد الرأسمال لتنظيم الحياة لا لتحريرها. ولذلك، فإن معركتي الفكرية مع الحداثة لم تكن يومًا مع المصطلح، بل مع جوهره، مع بنيته العميقة التي احتقرت كل ما هو خارج عن ذاتها، وحوّلت العالم إلى سوق واحدة، ومصنع واحد، وتاريخ واحد. ما زلت أعتقد أن الحداثة ليست مرحلة، بل نظام سلطة. إنها لا تتحقق فقط حين نؤمن بها، بل تتحقق أكثر حين نخضع لها دون وعي. هي ليست ما نقرأه، بل ما نُقرأ به. ولهذا فإن مناهضة الحداثة لا تعني العودة إلى الوراء، بل تعني التمرُّد على سلطة الخط المستقيم، على الفرضيَّة التي تجعل من مسار أوروبا هو المسار الوحيد الممكن. لقد خُدِعَنا كثيرًا بخطاب التقدّم، وعلينا أن نتوقف. ليس لأن التقدّم في ذاته باطل، بل لأن المقياس الذي صاغوه للتقدّم لم يُبْنَ علينا، بل بُنِي ضدنا. لا يُعقل أن نقيس تحررنا بمقاييس من سلبونا. لا معنى لأي وعي نملكه إذا كان منسوخًا عن أداة الهيمنة نفسها. السُّؤال لم يعد: "كيف نلتحق بالعصر؟"، بل: "أي عصر نريد أن نخلق؟".