الرأسمالية كحضارة نفي: حين يحكم الربح مسار الإنتاج


محمد عادل زكى
2025 / 6 / 25 - 23:35     

ليست الرأسماليَّة ـ كما قد يتوهم بعضهم ـ نظامًا اقتصاديًا ينهض على إشباع الحاجات الاجتماعية، بل هي بالأحرى نفيٌ صريح لتلك الحاجات طالما أنها لا تُترجم إلى طلبٍ فعال يُدرُّ ربحًا. فالمسألة، في جوهرها، ليست مسألة إنتاج من أجل الاستهلاك، وإنما إنتاج من أجل التراكم، من أجل استزراع القيمة الزائدة، من أجل الاغتناء المتنامي للرأسمال نفسه، لا لحاجات البشر ولا لضرورات العيش المشترك. ذلك أن الربح، وقد أصبح غايةً في ذاته، لا يعبأ كثيرًا بما إذا كان هذا المنتج أو ذاك يسدّ حاجةً أم يخلق وهماً، يغذّي حياةً أم يهددها، يضيف معنىً إلى الوجود الإنساني أم يضيف شقاءً جديدًا إلى شقاء قائم. فما دام هناك مستهلكٌ قادرٌ على الدَّفع، فلا بأس أن يُنتج ما لا حاجة له، ويُهمَل ما لا ربح فيه، حتى وإن كان ضرورةً حياتية أو مطلبًا إنسانيًا ملحًّا. وفي هذا الإطار، لا يُنتظر من الرأسمالي، أيًا كانت نواياه أو أخلاقه الشخصيَّة، أن يخرج عن منطق النظام الذي يحتضنه ويعيد إنتاجه. فهو لا يعمل من أجل المجتمع، ولا من أجل الإنسان، بل من أجل القيمة، وتحديدًا: ازدياد القيمة. وهنا يطلّ قانون القيمة باعتباره المبدأ المحرك لكل النشاط الرأسمالي، بل يمكن القول إن الرأسمال لا يحيا إلا عبر هذا القانون، ولا يتحرك إلا في مداراته. ولذلك، فإن الرأسمالي، بقدر ما هو حامل للرأسمال لا كيان مستقل، يُرغم على أن يبحث دائمًا عن أقل نفقة، عن أرخص قوة عمل، عن مواد خام بأدنى تكلفة، وعن أسواق تتسع لقيمة تُنتَج لا من أجل حاجتنا، بل من أجل حاجته هو... حاجة القيمة إلى أن تتضاعف. هنا يتبدى التناقض: المجتمع في حاجة إلى إنتاج من أجل الحياة، بينما النظام في حاجة إلى إنتاج من أجل الربح. وبين هذين القطبين المتنافرين، تتكثف أزمات الرأسمالية، لا بوصفها أزمات تقنية في التنظيم أو التَّوزيع، بل بوصفها أزمات نابعة من منطقها نفسه، من طبيعة القيمة بوصفها تجريدًا اجتماعيًا لا يعترف بالحياة إلا إذا ارتدت عباءة الربح. هكذا يغدو (العلم الاقتصادي الحديث!) في صيغته الرأسمالية علمًا للأرباح. وليس علمًا للازدهار الإنساني، بل لسلطة القيمة وهيمنتها. ولذا؛ فإن تحرير الاقتصاد لا يعني شيئًا آخر سوى تحرير الربح من كل قيد اجتماعي أو أخلاقي أو إنساني، وجعل الحياة نفسها تابعة لمنطق السوق، لا العكس. فما الذي تبقى من "الحاجة" في هذا الإطار؟ لا شيء، إلا إذا أُعيد تعريف الحاجة بحسب مقاييس الربح. إننا لا نعيش في اقتصاد يلبّي الحاجات، بل في اقتصاد يُنتج حاجات زائفة فقط ليستهلك ذاته، اقتصاد تُنبت فيه الرغبة لا لأن الإنسان يحتاج، بل لأن الرأسمال يريد أن يبيع. بهذا المعنى، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل الرأسمالية نظامٌ اقتصادي؟ أم أنها نظامٌ حضاري كامل، يختزل الوجود الإنساني في حسابات الفائدة وجدليات السُّوق، وينقلب على كل ما راكمته الحضارات من معنى ومغزى وغاية؟ وهل يمكن نقد الاقتصاد السياسي من داخله؟ أم أن النقد الجذري يتطلب تجاوز هذا الاقتصاد ذاته، والبحث عن عالم لا يكون فيه الربح هو المبدأ الأعلى؟