مَن يربح حين نموت؟ الإمبرياليَّة تُجيب


محمد عادل زكى
2025 / 6 / 17 - 02:50     

في زمنٍ لم تعد فيه الجيوش تحتاج إلى عبور الحدود لاحتلال الأراضي، صارت الحروب تُدار عن بُعد، بالتحريض والتسليح والتمويل. الحرب، في هذا النظام العالمي، ليست خللًا، بل ضرورة. إنها شكل من أشكال التنظيم، لا الفوضى. بل إنها أكثر أدوات النظام العالمي "نظامًا"، إذ تنبع من منطقٍ دقيق يحكم حركة المال والسلاح والمصالح الجيوسياسية. الإمبريالية، وقد تبدلت أوجهها، لم تعد ترفع رايات الفتح العسكري، بل تكتفي بإشعال النار وتوزيع الوقود. تكفي شرارة صغيرة في منطقة متوترة لتبدأ السلسلة: تحريض، تسليح، اصطفافات مذهبية أو قومية، ثم حربٌ تنفجر وتستمر، بلا أفق ولا نهاية. فالدولة التي تُهاجم، غالبًا ما تفعل ذلك باسم "الدفاع عن النفس"، والدولة التي ترد، تفعل ذلك باسم "المقاومة" أو "الردع"، لكن خلف هذا المشهد السطحي، هناك من يبيع السلاح للطرفين، ويموّل إعادة الإعمار سلفًا، ويضبط توقيت وقف إطلاق النار تبعًا لمصالحه، لا لمصالح الشعوب. تُشعل الإمبريالية النزاعات لتُبقي الدول في حالة إنهاك دائم، وعجز عن التنمية، وافتقار إلى القرار المستقل. كلما اشتد الصراع، ارتفعت أرباح مصانع السلاح، وتوسعت أسواق الطاقة، وازدهرت تجارة الديون. الدولة التي تحارب تقترض، والدولة التي تُقصف تقترض، وبينهما بنك دولي، وصندوق نقد، ومُشرف مالي غربي. الحرب بالوكالة ليست عرضًا جانبيًا. إنها النموذج المثالي: لا خسائر مباشرة للدول الكبرى، ولا تكلفة بشرية على شعوبها، بل أرباح وفيرة من الدماء المسفوكة على أراضٍ بعيدة. تدفع الشعوب ثمنًا مضاعفًا: يُقتلون، ثم يُدينون لإعادة بناء ما دُمّر. شعارات الحروب تتكرر: السنة والشيعة، الأمن القومي، حماية المقدسات، القومية، الثأر. لكن ما إن يُطلق الرصاص، حتى يُصاب الفقراء، والعاطلون، والمزارعون، واللاجئون، والجنود المجندون قسرًا. بينما يبقى المستفيدون الحقيقيون في الظل، يجمعون أرباحهم في بورصات لا تعشق طعم الدم. إن الحرب تُقدَّم بوصفها قدرًا لا مفر منه، لكنّها في الحقيقة اختيار سياسي. اختيار تتخذه الدول الإمبريالية عن وعيٍ، وتُسَوِّقه عبر أدواتها الإعلامية والثقافية، وتفرضه كحقيقة تاريخية. أما حقيقة الحقائق، فهي أن الحروب لا تنشب من تلقاء ذاتها، ولا تدوم إلا إذا كانت مفيدة لمن يملك مفاتيح المال والسلاح. لا تصنع الإمبريالية فقط الحروب، بل تصنع أعداء وهميين، وأزمات مصطنعة، وتخلق دائمًا سياقات من الخوف والتهديد، لتبرير التدخل، أو التسليح، أو التصفية. وفي كل مرة، تُعيد إنتاج الأسطورة: أن هذه الحرب ستنهي كل الحروب، وأن هذه المعركة ستكون الفاصلة، لكنّها ليست إلا بداية لجولة أخرى. في هذه الحروب، الشعوب لا تعرف لماذا تقاتل، ولا متى تنتهي معركتها، ولا لصالح من تُراق دماؤها. والكارثة أن الشعوب تُخدَع مرارًا: تسير خلف الرايات، تهتف خلف الشاشات، وتموت تحت أنقاض الشعارات، بينما الذي يُقرّر الحرب أو السلم، لا يعيش في أرض المعركة. من يربح إذًا؟ يربح من لا يُقاتل. من لا يُدفن. من لا تُقصف مدنه: المصارف، شركات السلاح، أباطرة إعادة الإعمار، وسماسرة التفاوض. ومن يخسر؟ يخسر الجندي الذي عاد بلا أطراف. والمزارع الذي احترق حقله. والأم التي تنتظر ابنها على معبر لا يُفتح. يخسر اللاجئ، والمشرد، واليتيم، والمكفوف، والجائع. إن الصراع بين إسرائيل وإيران – كمثالٍ حيّ – لا يمكن فصله عن هذا المنطق. ليس صراع دول مستقلَّة، بل جزءٌ من لعبة أكبر تُدار في غرف التحكم الإمبريالية. يُقدَّم على أنه صراع وجودي، أو ديني، أو قومي، لكنَّه في الجوهر، صراع يُستثمر لصالح منظومة لا مصلحة لها في النصر أو الهزيمة، بل في استمرار الاشتباك. تُرفع راية المسجد الأقصى، وراية حماية الحسينيات، وراية الأمن الإقليمي، لكن الرصاص لا يذهب إلى تلك الأهداف، بل إلى الأجساد. والدم لا يسقي القيم، بل يغذّي خزائن بارونات الطاقة، وملوك المال العابر للحدود. الخلاصة أن من ينظر إلى هذه الحروب بعين المذهب، أو القومية، أو الجغرافيا، يرى السطح فقط. أما العمق فيكشف عدوًا واحدًا يتخفّى كل مرة بشكل جديد: الإمبريالية. هي مَن تدير. هي مَن تُحرّض. هي من تشتري وتبيع وتربح. أما الشعوب، فهي الضحية الدائمة، والجثة المؤجلة. إن أول خطوة في مقاومة هذا النظام ليست المدافع وحدها، بل وضوح الرؤية: أن نعرف من يقتلنا، ولماذا. وأن نفهم أن العدو ليس من يختلف معنا في الطائفة أو اللغة أو الحدود، بل من يربح من دمائنا.