الاقْتِصَاد السِّياسيّ: تحطيم المركزيَّة وبناء الإنسانيَّة


محمد عادل زكى
2025 / 6 / 9 - 08:47     

لم يكن انشغالي بنقد علم الاقتصاد السياسي محض اشتغال على بنيته النظرية، أو مجرّد مساءلة لأجهزته المفاهيمية، بل كان، منذ البدء، مشروعًا وجوديًا، يهدف إلى تفكيك البنية الحضارية التي خلقته، والاشتباك مع المركزية التي صاغته، واحتكرت اسمه، واحتفت به بوصفه "العِلم"، وما سواه تقليد وهامش وشبهة. لم يكن نقدًا لمقولاتٍ فحسب، بل نزالًا مع روح، ومجابهةً لمطلقٍ ادّعى الكونية وهو لا يعدو أن يكون محليًا، أوروبياً، محدودًا. لقد صيغ الاقتصاد السياسي، كغيره من علوم الحداثة الأوروبية، من رحم مركزية متغطرسة، أرادت لنفسها أن تكون المعنى والمقياس، وبنت مفاهيمها على ركام تاريخ طويل من الإقصاء والإخضاع. لم يكن الاقتصاد السياسي وليد الحاجة المجتمعية فحسب، بل كان إفرازًا لمخيالٍ حضاريّ قائم على: لاهوت سلطوي، ومجد إمبراطوري روماني، وعقلانية إغريقية مبتورة عن جذورها الشرقية. في هذا الخليط الثلاثي العنيف، تكوّنت معالم الاقتصاد السياسي، لا بوصفه علمًا لدراسة الإنتاج والتوزيع فحسب، بل بوصفه آلية للهيمنة، ومنهجًا في تأبيد السيطرة، ولسانًا يتحدث باسم "العقل"، وهو في حقيقته عقل أوروبي متخم بذاته، لا يرى الآخر إلا بوصفه نقصًا أو عتبة للوصول إلى ذاته. من هنا، كانت الضرورة تقتضي تفكيك هذه المركزية، لا على سبيل الانتقام، ولا بدافع الكراهية، بل من أجل تحرير العِلم نفسه من سجنه الأوروبي، وإطلاقه في أفقه الإنساني. فإذا كان الاقتصاد السياسي، كما تُقدّمه المركزية الأوروبية، ينظر إلى الإنسان بوصفه "عامل إنتاج" أو "مستهلكًا عقلانيًا"، فإن الحاجة اليوم صارت ماسة إلى إعادة بناء هذا العِلم بوصفه أداة لفهم الإنسان في كينونته، في ألمه، في عمله، في آماله الخائبة والمُؤجلة. فلا يمكن لعِلمٍ يُراد له أن يكون إنسانيًا أن يبقى أسيرًا لمفاهيم نشأت في حضارة واحدة، في لحظة تاريخية معينة وذات خصوصية، ثم فُرضت على بقية العالم بقوة الأكاديمية والبندقية والبنك الدولي. إن نقدي هذا العِلم لم يتوقّف عند مناهجه، بل تعدّى ذلك إلى تفكيك أسسه الحضارية. فالقول إن النقود مقياس للقيمة، أو إنها مخزن للثروة، ليس قضية علمية بقدر ما هو اختزال عنيف لتجربة العمل الإنساني في صيغة رمزية نقدية صامتة. وإن الإصرار على اعتماد الذهب أو الفضة أو الورق بوصفه مقياسًا لقيمة العمل، إنما هو تشويه للزمن البشري، وتحويل للجهد إلى رقمٍ في دفتر تجاريّ، لا إلى طاقة مبدعة تُنتج الحياة. وإذا كان ماركس قد وعى جانبًا من هذا الإشكال، فإنه لم يذهب به إلى نهايته، بل ظلّ، على عظمة رؤيته، سجين مفاهيم القيمة كما صاغها التقليد الكلاسيكي. بل يمكن القول إن الخطأ الأول كان في سؤال القيمة ذاته، إذ صيغ ضمن شروط معرفية لا تنتمي إلى روح الإنسان، بل إلى روح السُّوق. إن مهمتي، إذًا، لم تكن فقط تفكيك المركزية، بل تحرير الاقتصاد السياسي ليعود علمًا حيًا، لا وسيلة للإدارة، بل أداة للكرامة. علمًا يتناول الإنتاج لا بوصفه آلة، بل بوصفه علاقة بشرية، وصراعًا، وتاريخًا. علمًا يرى التوزيع لا كمخطط بيانيّ، بل كمأساة اجتماعية تنطق بالفقر، والجوع، والغُبن التاريخي الذي لا تمحوه الأرقام. وما لم يتحرر الاقتصاد السياسي من هذا القيد الأوروبي، سيبقى عاجزًا عن فهم بقية العالم. لن يفهم الريف الإفريقي، ولا الحرفي الآسيوي، ولا الفقير اللاتيني، ولا الفلاح المصري، بل سيظل يُعيد إنتاج ذاته في صورة تقارير، وجداول، ومؤشرات، تُرضي البنك الدولي، وتُميت الشعوب. فليكن تحرير الاقتصاد السياسي من المركزية الأوروبية بمثابة نداء: دعونا نحرر العِلم من ضيقه، ونُعيد له روحه. دعونا نكسر القيد المعرفي، ونبني اقتصادًا سياسيًا يُعانق الإنسان، لا السوق. دعونا نرسم، معًا، ملامح غدٍ لا يقود فيه المخبولون العميان، بل تصنعه الحضارات مجتمعة، لا متنافسة، غدٌ يسير فيه الاقتصاد السياسي جنبًا إلى جنب مع الشعر، والتاريخ مع الحُلم، والعقل مع العدالة، من أجل إنسانٍ… واحد… في عالمٍ ما زالت أمامه فرصة مدهشة للحياة.