الهيمنة بالفائدة: الرأسمالية حين تُدير العالم كخزينة خاصة
محمد عادل زكى
2025 / 6 / 7 - 07:05
في وول ستريت، معقل الهوس المالي الحديث، حيث يُدار النظام العالمي كما تُدار خزينة مصرف خاص، تنكشف يومًا بعد يوم عورة الاقتصاد الرأسمالي، ويتبدى بوضوح طابع التناقض الذي ينهش جسد هذا النمط من الإنتاج. فما بين صعود وهبوط لسعر الفائدة، تتجلى حركة الرأسمال المعاصر لا كآلية اقتصادية عقلانية، بل كاستجابة هستيرية تُخفي خلف أرقامها اللامعة صراعًا طبقيًا محتدمًا. لقد أُعيد تشكيل وول ستريت منذ نهايات القرن التاسع عشر لتُصبح قلب النظام الإمبريالي، لا بوصفها مجرد شارع في مانهاتن، بل بوصفها الواجهة الأشد عنفًا لما تبقّى من التركة الاستعمارية الأوروبية. إنها الوجه الجديد للإمبراطورية القديمة، الإمبراطورية التي ورثت الغنائم، والأسواق، والقوة، والسلاح، والتفاوت العالمي. وما من مفارقة في أن تتحكم هذه الإمبراطورية الوريثة في حركة أسعار الفائدة عالميًا، كما يتحكم الإمبراطور في خراج المستعمرات. غير أن تأرجح الفائدة، أيًا كانت أدوات التحكم المعلنة، ليس عملية تقنية تُدار بأزرار من داخل البنوك المركزية، بل هو انعكاس عضوي لعلاقات الإنتاج القائمة، والتي تتمسك بمنطق التراكم بوصفه الغاية الوحيدة للحياة الاقتصادية في ظل الرأسمال الناهب. فكل رفع للفائدة لا يُعبّر إلا عن سعي قسري لتقييد الاستهلاك وضبط التضخم، لا لمصلحة الفقراء، بل لصالح استقرار النظام ذاته. وكل خفض للفائدة لا يأتي استجابةً لاحتياجات الناس، بل لضمان استمرار دوامة الاستثمار، ولو على حساب تحطيم حياة الملايين من الشغيلة المثقلين بالديون. إن الفائدة، في جوهرها، ليست مجرد أداة نقدية، بل علاقة قوة. إنها نسبة تعكس توازن القوى بين الرأسمال والعمل، بين مالك الأصول ومن لا يملك إلا قوة عمله. لذلك، فإن النظرية الاقتصادية الرسمية، بما فيها المدرسة الكينزية أو النقدية، تعجز عن تقديم تفسير كافٍ لتحديد هذه النسبة، لأنها تفصلها عن البنية الطبقية للصراع الاجتماعي. النظرية تعالج الفائدة كمتغير مستقل، بينما هي في الحقيقة متغير تابع، تابع لمجمل الصراع بين من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملك. ومع كل أزمة تضخمية أو انكماشية، تتكرر المسرحية ذاتها: يُقدَّم الشغيل كبش فداء باسم الاستقرار. إذ تتآكل الأجور، وتُسحق القدرة الشرائية، ويُدفع الفقراء إلى مزيد من المديونية. أما الرأسمال، فيحمي نفسه بأدوات مشتقة، وبملاذات ضريبية، وبقدرة فائقة على التكيّف، بل وعلى تحويل الأزمات ذاتها إلى فرص لمراكمة أكبر. في ظل هذا المشهد، يصبح رهان السوق على "انتعاش" اقتصادي حقيقي، دون مساس ببنية النظام، رهانًا خاسرًا. إذ لا يمكن حل الأزمة كما لا يمكن الخروج من الركود بأدوات وُجدت أصلاً لتكريس الهيمنة. إن سعر الفائدة لن يتزحزح إلا في حدود ما يسمح بالحفاظ على وهم الاستقرار، لا الاستقرار ذاته، لأن هذا الاستقرار – بالمعنى الفعلي – يتطلب نسف المنظومة لا ترقيعها. إن وهم الاستقرار هو المسكّن الوحيد المتاح لشعوب مقهورة، شعوب لا تملك من أدوات التغيير إلا الخضوع. والخضوع هنا لا يُفهم بوصفه رضا أو قبولًا، بل استسلامًا قسريًا لإكراهات العيش تحت نظام اقتصادي لا يرى فيها إلا أرقامًا في جداول الاستهلاك والإنتاج. وهذه الشعوب، المحاصرة بفوائد مرتفعة، وقروض عقيمة، وسوق عمل هش، لا تجد ما تسد به رمقها سوى المزيد من الائتمان. هكذا، تتجلى حركة الفائدة في الرأسمالية المهترئة كحركة سياسية مغلّفة بلغة الاقتصاد. إنها ليست قرارًا نقديًا محضًا، بل قرار طبقي، تصدره النخبة المالية عبر أدواتها المؤسسية، ويُنفّذ بتواطؤ الحكومات، ويُبرّر بأكاذيب الإعلام، ثم يُسوّغ علميًا بنظريات لا علم فيها. ومن هنا، فإن التأمل في تأرجح الفائدة هو تأمل في القلب النابض للأزمة الرأسمالية، أزمة لا تنفصل عن شكلها الاستعماري، ولا عن بنيتها الطبقية، ولا عن طابعها الشمولي العنيف. إن وول ستريت، بهذا المعنى، ليست مجرد رمز، بل هي الحقيقة المعاصرة لرأسمالية فقدت كل مساحيقها التجميلية، وباتت تُدار علنًا كآلية لنهب العالم بأسره، باسم الاستقرار.