خدعة البريكس: قراءة نقدية في وهم الاقتصاد السياسي الجديد
محمد عادل زكى
2025 / 5 / 30 - 02:47
لقد برزت، مؤخرًا، مجموعة دول تُعرف بـ"البريكس"، كأمل جديد لدى الكثيرين في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر. أمل يرمز إلى قطب اقتصادي بديل يُقال إن بإمكانه قلب موازين الاقتصاد العالمي، وتحدي الهيمنة الغربية التي تمارسها الولايات المتحدة وأوروبا على النظام الاقتصادي على الصعيد العالمي. هذه المجموعة التي تضم البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، تحولت إلى رمز للنمو الاقتصادي السريع والنجاح الصناعي والتكنولوجي في بعض هذه الدول، ولكن هل فعلاً يمكن اعتبار البريكس مشروعًا بديلًا جوهريًا للنظام الرأسمالي العالمي القديم، أم أنها خدعة معرفية وسياسية تخفي استمرار التبعية والتناقضات الحضارية والاقتصادية العميقة؟ من منظور نقد الاقتصاد السياسي الذي ينطلق من فهم عميق للتاريخ الحضاري، لا يمكن فصل تحليل البريكس عن طبيعة الاقتصاد السياسي نفسه، الذي هو نتاج حضاري أوروبي بالأساس. هذا الاقتصاد السياسي لم يظهر بمعزل عن التراث الديني والفكري للمسيحية الرومانية، وازدهار المجد الروماني، والإرث المعرفي اليوناني، التي اجتمعت كلها لتشكيل أسس علم الاقتصاد السياسي. من هذا المنطلق، تظهر أن «البريكس» ليست سوى امتداد لحضارة الاقتصاد السياسي ذاتها، وإن اختلفت الأسماء والواجهات السياسية والاقتصادية. الصين، كأحد أعمدة البريكس، تقدم نموذجًا براقًا للاقتصاد السياسي الذي يتعامل مع تراكم الرأسمال وتوسيع نطاقه، مدعومًا بسياسات الدولة المركزية التي تحاول توظيف النظام الرأسمالي لصالحها، دون أن تتحدى جذور المنظومة الرأسمالية أو القواعد التي تحكمها. فهي تستمر في الاقتصاد النيوليبرالي، ولكن من منظور دولة شبه مركزية تسعى لمكانة عالمية متقدمة، وهذا لا يعني تخليها عن قواعد اللعبة، بل على العكس، هو تعميق لها في إطار جديد. دول أخرى في المجموعة، مثل البرازيل وجنوب أفريقيا، تواجه تحديات هائلة من حيث البنية الاجتماعية، والاعتماد على تصدير الموارد الأولية، وهو ما يجعلها في وضع هش وغير مستقل فعليًا عن النظام الرأسمالي العالمي. في هذا السياق، تُبرز «خدعة البريكس» في قدرتها على تسويق صورة بديلة جذابة تعطي انطباعًا بوجود قوة اقتصادية حقيقية جديدة، قادرة على تحقيق توازن دولي جديد يرفع من مكانة الدول النامية، ولكن الواقع يبيّن استمرار هيمنة مبادئ السوق الحرة والتراكم الرأسمالي العالمي. فهذه الدول تظل مرتهنة لتقلبات الأسواق العالمية، وتعتمد على شروط استيراد التكنولوجيا والمعرفة الإنتاجية التي لا تزال في أيدي الدول الغربية. ومن الناحية الفكرية، يستمر اقتصاد البريكس في تبني الأفكار والأسس التي أنتجتها الحضارة الأوروبية وما زالت تحكم العلم الاقتصادي. من هنا، لا يمكن فصل هذه الخدعة عن السياق الحضاري العام الذي أنتج الاقتصاد السياسي نفسه، مع كل ما فيه من أزمات متجذرة في فصل الإنسان عن الطبيعة، وتقديس الربح على حساب القيم الاجتماعية والبيئية. فالبريكس تعكس ببساطة تعددية في المظاهر السياسية والاقتصادية دون أن تغير من الجوهر الحضاري والاقتصادي للنظام. إن الحديث عن بديل حقيقي يتطلب فهمًا نقديًا عميقًا للطريقة التي أنتج بها الاقتصاد السياسي ذاته، وإعادة النظر في العلاقات الاجتماعية داخل نظام الإنتاج، والبحث عن نموذج جديد يدمج بين الإنتاج الاقتصادي والقيم الاجتماعية والبيئية، لا أن يبقى في إطار توسع غير منضبط للرأسمالية العالمية. من ناحية أخرى، فإن الترويج السياسي والإعلامي للبريكس يهدف إلى إحداث نوع من الاستقرار النسبي في النظام الدولي الرأسمالي، حيث تُستخدم هذه المجموعة كغطاء لإعادة توزيع النفوذ ضمن نفس النظام، لا لتغيير القواعد التي تحكمه. وبالتالي، فإن البريكس ليست أكثر من خدعة استراتيجية تمكن النظام الرأسمالي من التكيف مع تحديات العولمة دون أن يفقد هيمنته. ختامًا، يكمن التحدي الحقيقي في تجاوز وهم البدائل السطحية، والسعي نحو نقد منهجي للعلاقات بين الحضارة، الاقتصاد السياسي، والتاريخ الاجتماعي، من أجل بناء تصور اقتصادي جديد قادر على مواجهة أزمات النظام الرأسمالي العالمي، وتحقيق تنمية عادلة ومستدامة. فالخدعة ليست في وجود مجموعة دول جديدة على المسرح، بل في الإصرار على تكرار نفس قواعد اللعبة الاقتصادية القديمة تحت أسماء وأعلام جديدة.