ريتشارد كانتيون (1680–1734)
محمد عادل زكي
2025 / 5 / 21 - 00:27
محاضرات مدرسة الإسكندرية
يُعد ريتشارد كانتيون من الأسماء الَّتي تحتل مَوقعًا تأسيسيًا في تشكّل علم الاقتصَاد السِّياسيّ، لا باعتباره مجرد حلقة وسطى أو معبرًا فكريًا بين التجاريين والكلاسيك، بل بوصفه شاهدًا على مرحلة انتقاليَّة حرجة في البنية الذِّهنيَّة والاجتماعيَّة للحضارة الأوروبيَّة. حيث بدأ العقل الأوروبيّ يتخلص من أقنعته اللاهوتيَّة والأخلاقيَّة ليرتدي وجهه الْجديد: وجه السُّوق. وفي كتابه الْحاسم، والعظيم، "مقال في طبيعة التجارة بوجهٍ عام"، لا يُقدّم كانتيون أطروحة تقنية في الْعِلم الاقْتصَادي، بل يمارس، بوعي أو من غير قصد، فعلًا تأسيسيًّا للفكر البرجوازيّ الصَّاعد. إنه ينقل الظَّاهرة الاقتصَاديَّة من مجال القيم الأخلاقيَّة والدينيَّة إلى ميدان الأرقام والتَّوازنات والحسابات، جاعلًا من السُّوق كيانًا ذاتيّ الْحركة، يتحكَّم في مَصائر الْبشر كما لو كان قانونًا طبيعيًّا. لكن هذا "الطبيعيّ" ليس سوى منتَج أيديولوجيّ، يُعيد ترتيب العالم وفق معادلات الربح والخسارة، لا وفق حاجات البشر أو معايير العدالة. وربما تتمثل إحدى أهم إسهاماته في بلورة مفهوم "رجل الأعمال/المنظم"، الَّذي لا يُمثل فاعلًا اجتماعيًّا بعينه بقدر ما يُجسد حركة الرَّأسمال نفسه: يُخاطر، يُخطط، يحسب، ويُخضع. ورغم أن كثيرين يعتبرون كانتيون رائدًا لمفهوم "التّوازن"، إلا أن ما يبدو "توازنًا" في فكر كانتيون ليس إلا محاولة لتثبيت علاقات قهر اجتماعيّ في صورة علاقات تبادل حر. كما أن تفريقه بين "ملَّاك الأرض" و"العاملين عليها"، وبين مَن يستهلكون ومَن يُنتجون، يكشف عن وَعي جنينيّ بالفوارق الطبقيَّة، وإن لم يتسلَّح بعد بالأدوات الجدليَّة اللازمة لتحليلها. ولقد حاول كانتيون من خلال مفهومه عن "الدَّخل الصَّافي" أن يفضح، دون أن يُعلن، كيف يُعاد توزيع الفائض الاجتماعيّ لمصلحة طبقة المُلَّاك، عبر آليات اقتصاديَّة ظاهرها الحياد وباطنها الامتياز الطبقيّ. وبينما يبدو كانتيون للوهلة الأولى محافظًا، فإنه، من حيث لا يدري، يمهد السبيل لتفكيك النظام نفسه؛ إذ وضع الأسس النظريَّة الَّتي سيتسلمها لاحقًا نقّاد أكثر راديكاليَّة، مثل ماركس، ليكملوا مهمة فضح التناقضات البنيويَّة الكامنة في النظام الرَّأسمالي. فالنظام الَّذي يراه كانتيون عقلانيًا ومنظمًا، سيظهر لاحقًا بوصفه نظامًا يتأسّس على الاستغلال واللامساواة. إن أهمية كانتيون لا تكمن في كونه مجرد "سابقٍ" على سميث أو فيزيوقراطيي فرنسا، بل في كونه لحظة تأسيس مأزومة: لحظة يؤسِّس فيها الذِّهن الأوروبيّ نمطًا جديدًا لإنتاج الْمعرفة، تتحوَّل فيه الأرض إلى أصل رأسماليّ، والسكَّان إلى وحدات إنتاج، والزمن إلى كلفة، والحياة نفسها إلى متغيّر اقْتصَاديّ. لقد أعلن كانتيون، دون أن يقصد، ولادة العقل الاقتصادي الحديث، ذلك العقل الَّذي يقطع الصلة بين الإنسان وطبيعته، ليجعل من السُّوق لا مجرد وسيلة، بل قدرًا جديدًا، لا فكاك منه.