فرنسوا كينيه (1694 – 1774)


محمد عادل زكي
2025 / 5 / 20 - 02:52     

محاضرات مدرسة الإسكندرية للاقتصاد السياسي
فرنسوا كينيه
(1694 – 1774)

لم يكن فرنسوا كينيه مجرد طبيبٍ في بلاط الملك لويس الخامس عشر، بل كان أحد الأركان المبكّرة في تأسيس ما سيُعرف لاحقًا بـ"علم الاقتصَاد السّياسي" بوصفه تعبيرًا معرفيًّا عن التكوين الجديد للمجتمع البرجوازيّ الأوروبي. ففي لحظةٍ تاريخيَّة كانت فيها فرنسا تترنح بين بقايا الإقطاع وظلال التنوير، يأتي كينيه ليمنح الطبيعة دور المُشرِّع الأعلى، ويمنح الزراعة مرتبة النبع الأول لكل إنتاج وثروة.
فكينيه هو الأب الرمزي للفيزيوقراط الَّذين افترضوا أن الطبيعة وحدها، عبر الدورة الزراعيَّة، هي مصدر القيمة والثروة. لكنه لم يفعل ذلك استنادًا إلى تفكيرٍ ميتافيزيقيّ، بل بوصفه محاولةً لنقل مبدأ النظام الطبيعيّ إلى البنية الاجتماعيَّة. لقد رسم كينيه، في "الجدول الاقتصادي"، صورةً لدورة الثروة في المجتمع على نحو ما يحدث داخل الدورة الدموية في الجسد البشريّ، في تعبير واضح عن روح عصرٍ يحاول عقلنَة كل شيء تحت سلطة "القانون الطبيعي".
وفي فكر كينيه تظهر، ربما لأول مرة بهذا الوضوح، العلاقة الجدلية بين الدَّولة والطبيعة، حيث لا تعود الدولة ذات السلطة المطلقة هي المشرِّع الأوحد، بل تُستبدل بـ"قوانين الطبيعة" بوصفها معيارًا للحكم على عدالة النظام الاجتماعيّ نفسه ]وهذا تطوّر نوعي في تصور السلطة والملكية والدَّخل[ ولكن دون أن يُغادروا كليًّا حنينهم إلى ملك مستنير يُجسِّد هذا النظام الطبيعيّ!
لم يكن كينيه إذًا مجرد صاحب فكر اقتصَاديّ، بل هو شاهد على انتقال أوروبا من نظام الإنتاج المُغلق إلى رؤى تراكم الثروة، إنه صوتٌ مُتأرجح بين الحقل والمصنع، بين الماضي الريفيّ والنظام الرَّأسمالي الوليد.
وحين نُحاول إعادة قراءة بدايات الاقتصاد السّياسي لا بوصفه علمًا محايداً بل كأداة معرفية نشأت في أحشاء المجتمع الأوروبي الحديث، لا بد أن يتقدَّم اسم فرنسوا كينيه بوصفه من الأوائل الذين شرعنوا الانتقال من السيادة الإقطاعيَّة إلى نظام الإنتاج الجديد، لا باسم الثورة بل باسم الطبيعة. فالرجل، الطبيب الملكي، لم يكن يحلم بتقويض العرش، بل بإضفاء نظامٍ على العالم، نظام يُشبه جسد الإنسان في انتظامه، كما عرفه في تشريحه العلمي، ويُشبه الحقل في عطائه كما خبره الفلاح. فكينيه، وكما ذكرنا، إلى تلك اللحظة الحرجة التي راح فيها الفكر الأوروبي يُمهّد للقطيعة مع النظام القديم دون أن يعلن القطيعة تلك صراحة. فكما اشتغل فولتير وروسو وديدرو على تحرير الفكر، اشتغل كينيه على محاولة تحرير الثروة من عقال الامتيازات، لكن لا من منطلق الثورة الاجتماعيَّة، بل من منطلق "القانون الطبيعي". الطبيعة، عند كينيه، لا تنتج فقط القمح، بل تنتج أيضًا الشرعية، وتُفصح عن العدالة، وتحدّد، دون غيرها، من هو المنتج ومن هو الطفيلي، فالزراع وحدهم هم المنتجون، لأنهم وحدهم يُنتجون فائضًا فوق استهلاكهم. أما الصناع والتجار وأصحاب المهن، فهم يعيشون على هذا الفائض دون أن يُضيفوا إليه شيئًا. وهكذا، يصبح الفائض الزراعي هو أصل القيمة ومصدر الثروة، ويُعاد ترتيب المجتمع حوله كما يُعاد ترتيب الجسد حول القلب.
و"الجدول الاقتصادي" الذي وضعه كينيه ليس فقط محاولة لتصوير حركة الثروة، بل هو في جوهره رسمٌ إيديولوجي لنظامٍ بديل للنظام الإقطاعي، يُبقي على الملكية الخاصة، لكن يُعلي من "النظام الطبيعي" على حساب "الامتياز الإقطاعي". ويُلاحظ أن الجدول يُركّز على التوزيع لا على الإنتاج وحده، في محاولة لفهم كيفية دوران الثروة وانتقالها بين الفئات الاجتماعية، وهي أولى محاولات بناء نظرية اقتصادية كُلّية. لكن هذه الكُلّية لم تكن بريئة. فهي تُعيد إنتاج تراتبية جديدة، تُقدّس الأرض دون أن تُمسّ بسلطة الملك. لذلك فإن في فكر كينيه، كما في معظم مفكري القرن الثامن عشر، ازدواجًا بنيويًا: نقد للنظام القديم، دون تجاوزه الكامل. إشادة بالطبيعة، مع بقاء الإنسان خاضعًا لها. تصور لدولة عادلة، دون المساس بجوهر السلطة.
ولعل أهم ما يميز كينيه أنه نقل مركز السيادة من الإله إلى الطبيعة. ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تُصفِّي حساباتها مع السلطة الكنسية، جاء كينيه ليُقدِّم الطبيعة بوصفها الحاكم الأعلى، الذي يُصدر قوانينه في صمت، ويُحاسب في مواسم الحصاد. ولهذا فإن نظريته في القيمة قائمة على إعادة موقعة الإله داخل قوانين الفيزياء والأحياء والزراعة، لا في السماء. إنها محاولة عقلنة الثروة، لكن أيضًا محاولة تبرير توزيعها.
وفرنسوا كينيه ليس مؤسس العلم الاقتصادي ذي المركزية الأوروبية، لكنه أحد أوائل من وضعوا لبناته على أسس عقلانية علمانية زراعية. لم يُنكر الدولة، لكنه أراد لها أن تُخضع نفسها للنظام الطبيعي. لم يُنكر الفئات الاجتماعية، لكنه منح للزراعة وحدها الحق في تسمية القيمة. لقد كان مشروع كينيه هو بناء علم للثروة، قبل أن يُصبح الاقتصاد السياسي أداة لتبرير التراكم الرأسمالي. ولهذا، فإن العودة إليه اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل هي محاولة لفهم الشروط التي جعلت الطبيعة تنطق بلسان الرأسمال، والتي مهّدت لولادة علمٍ يبدو كأنه يتحدث عن الإنسان، لكنه يُدافع عن شكل معين من المجتمع.