منابر الصمت: المدارس والجامعات بين الطاعة والمعرفة
محمد عادل زكى
2025 / 5 / 21 - 10:53
في بلادنا العربيَّة المنكوبة، حيث تلتقي مفارقةُ الفوضى التنظيميَّة مع تشدّد البيروقراطيَّة الجافة، صار التَّعليم جزءً من منظومة معقدة لإعادة إنتاج الجهل المنظَّم وتكريس الهيمنة الاجتماعيَّة والسياسيَّة. التَّعليم، الَّذي يفترض به أن يكون مِفتاحَ العقل الحر ورمزَ التحوُّل الحضاريّ، صار اليوم معملًا بيروقراطيًّا لإنتاج كائنات مفرغة من الفكر، مهيّأة للركوع التلقائيّ لكل سلطة، تُدرَّب لا على السُّؤال، بل على الصمت المُنظَّم. هذا التَّعليم الرَّسميّ لا يهدف إلا إلى تكريس الواقع الاجتماعيّ الطبقيّ، ويعمل جاهدًا من أجل ترسيخه؛ من خلال فرض ثقافة الطَّاعة الَّتي تتناقض جذريًا مع روح الفكر النقديّ. فكيف لمؤسسة تعتمد على التلقين والحفظ أن تُنتج حرية التَّفكير؟ إنّها صناعة زائفة تُعيد تدوير المعرفة الميتة وتفرض حدودًا صارمة على فضاء العقل، في حين تقدّم نفسها كصمام أمان للحضارة والتقدم. إن المدارس والجامعات، الَّتي ينبغي أن تكون منابر للتحرّر الفكريّ، باتت مسارح لأداء متكرر وممسرح لآليات التلقين الَّتي تعيد إنتاج الفوارق الطبقية والهيمنة الرمزية. والمعيار، بالتَّالي، ليس الفهم ولا الإبداع، بل القدرة على تكرار النصوص المقدَّسة للسلطة كما يُتلى النَّشيد في حضرة الطغيان؛ إنها منظومة تُعيد تدوير العقل المستعمَر بأساليب لا تختلف كثيرًا عن تلك الَّتي ابتكرها المستعمِر لصناعة خَدَمه المخلصين! وفي مشهد مأساوي آخر، يتحول الْمُعلم إلى ضحية للنظام البيروقراطيّ ذاته؛ ومحرومًا من أدنى شروط العمل، يُطلب منه أن يُخرج أجيالًا من المتلقين الَّذين لا يحملون أكثر من شهادة مزخرفة بلا جوهر. فكم هو مثير للسخرية أن يُطلب من الْمُعلمين الَّذين يعانون من التهميش وقلة الإمكانيَّات، بل وقلة العلم نفسه، أن ينتجوا أجيالًا واعية، بينما هم أنفسهم أسيرون لثقافة القهر والرتابة. هذا هو التَّعليم الذي يُعيد إنتاج البطالة والتخلُّف، لأنه لا يبني سوى الوهم، ويزرع في النفوس ثقافة التردد والرضا بالقليل. إنّ التعليم في عالمنا الْعَربيَ المنكوب، يستند إلى فرضية، مركزية، قوامها أن الأجيال القادمة مجرد أدوات للاستقرار السياسي، وليسوا مواطنين. تلك الفرضية تتحول إلى حقيقة مؤلمة حين نرى المناهج تُكرّس الذهنيَّة السلطوية، وتُجهّز العقول للاستسلام بدلاً من الثورة على الواقع المر. علينا إذًا أن نعيد التَّفكير الجذري في وظيفة التَّعليم وأدواته، فلا نهضة تُبنى على ركام الجهل المُقنَّن، ولا تحرّر يُولد من رحم الوصاية الفكرية. فالتعليم الَّذي لا يُحرّر العقل من سطوة السلطة، ولا يُشعل شرارة الشك الخلَّاق في الوعي، ليس إلا أداة لتعميم العجز وتدوير الانكسار. إنّه قيدٌ خفيّ، لا يُحسّ إلا حين يُصبح العقل عاجزًا عن السُّؤال. قيد لا سبيل لكسره سوى بإعادة تعريف التَّعليم كفعل تمرُّد على الرداءة، لا كوسيلة اندماج في نسق الخراب. فهل سنواصل إذًا السير في هذا الطريق المسدود، نُنتج المزيد من الجهل والامتثال تحت مسمَّيات براقة؟ أم أننا سنختار تحطيم القيود القديمة ونؤسس تعليمًا يكرّس الإنسان ويفتح له آفاق الحرية والخلق والإبداع؟ هذه هي معركة العقل والحضارة الَّتي لا يمكن أن نتهرب منها، لأنها محور خلاصنا أو استمرار مآسينا.