الاشتراكية والثورة: هل يمكن التحرر دون سلطة؟ رد على أحمد الجوهري
علي طبله
2025 / 5 / 12 - 18:17
رد ماركسي-لينيني تجديدي على “الاشتراكية لا تمر عبر الدولة” لأحمد الجوهري
⸻
تمهيد: لا حرية دون أدوات، ولا ثورة بلا تنظيم
في مقاله الأخير، يطرح الأستاذ أحمد الجوهري قطيعة شاملة مع مفهومي الدولة والحزب، باعتبارهما أداتي قمع لا يمكن إعادة ابتكارهما في سياق تحرري. تنبع هذه الرؤية من تقليد لاسلطوي طويل، يتقاطع أحيانًا مع نقد ماركسي أصيل للبيروقراطية والانحرافات. غير أن ما يقدمه الجوهري، رغم حيويته، لا يتجاوز في جوهره منطق الرفض الأخلاقي، ويقع في نزعة إنكارية لطبيعة الصراع الطبقي المادي. سنبيّن هنا، من خلال أدوات المادية الجدلية، أن الاشتراكية لا تتأتى بنفي السلطة بل ببنائها من أسفل لأعلى، عبر أدوات واعية، مرحلية، وديمقراطية طبقية.
⸻
1. الدولة الثورية: من التفكيك إلى الذوبان لا الحذف
يرى الجوهري أن “كل دولة تسعى لتكريس نفسها”، وبالتالي يجب نفيها جذريًا، لكنه بذلك يتغاضى عن الفارق الجوهري بين الدولة كجهاز طبقي برجوازي والدولة كأداة مؤقتة بيد الطبقة العاملة في مرحلة انتقالية. الدولة ليست كيانًا ميتافيزيقيًا يفرض نفسه على التاريخ، بل انعكاس لتوازنات القوى. حين تنتزع البروليتاريا السلطة، لا يمكنها أن تترك فراغًا في السلطة، وإلا استعادتها الطبقات القديمة.
ماركس وإنجلز لم يكتفيا بالإشادة بكومونة باريس، بل أكدا على ضرورة تحويل الدولة إلى جهاز ديمقراطي “يُنتخب، ويُحاسب، ويُعزل” من قبل الجماهير – لا إلغائه دفعة واحدة. هذه الدولة الجديدة هي نقيض جذري للدولة البرجوازية، لا استمرار لها.
أما القول إن الدولة البروليتارية هي “قيد أبدي”، فهو خلط بين المهمة التاريخية للدولة الانتقالية – والتي تذوب تدريجيًا – وبين الدولة البيروقراطية السوفييتية التي انحرفت بفعل ظروف موضوعية (الحصار، التخلف، الحرب الأهلية)، لا بمجرد وجود الدولة.
⸻
2. الحزب الثوري: من القيادة السلطوية إلى التنظيم الطبقي الواعي
يكرر الجوهري حجة أن الحزب الطليعي بالضرورة ينتج نخبة تتحكم، ويقارن أي دور تنظيمي بالوصاية. لكن هذه قراءة ساكنة، لا مادية، للتاريخ. الحزب الثوري ليس جهاز وصاية، بل أداة تنظيم الوعي والنضال. الانحراف البيروقراطي ليس حتميًا، بل يحدث حين ينفصل الحزب عن طبقته، ويتحول من أداة إلى غاية.
يريد الجوهري “تنظيمًا من دون منظّمين، وقيادة من دون قيادة، وانضباطًا بلا مركز”. هذا وهم. حتى أكثر التنظيمات أفقيةً تحتاج إلى تنسيق، وتوزيع مهام، واتخاذ قرارات. الفرق بين الحزب الثوري والانحراف الستاليني هو فرق في الشكل والمضمون، في الرقابة القاعدية، والديمقراطية الداخلية، والمشروعية الطبقية.
الحديث عن “تنظيم ذاتي أفقي” جميل من الناحية الخطابية، لكنه على الأرض إما أن يتحول إلى بيروقراطية غير مُعلنة، أو يُسحق أمام مؤسسات الطبقات المسيطرة.
⸻
3. في دلالة التجربة: من بانيكوك إلى تشومسكي، هل تكفي الإدانة؟
يستشهد الجوهري بتروتسكي وروزا وبانيكوك وتشومسكي لرفض الدولة والحزب. لكن هذه الاقتباسات، مع أهميتها، تخضع لتأويل انتقائي.
• تروتسكي لم يرفض الحزب، بل حذّر من تحلّله وتحوله إلى جهاز بيروقراطي. في الثورة المغدورة، دعا إلى ثورة سياسية تحرر الحزب من البيروقراطية، لا إلى تفكيكه.
• روزا لوكسمبورغ انتقدت ديكتاتورية الحزب الواحد، لكنها أيدت ضرورة الحزب الثوري والمجالس العمالية المنظمة.
• بانيكوك كان رمزيًا في المجالسية، لكنه عجز عن تقديم بديل عملي شامل في وجه الفاشية والصعود الإمبريالي.
• تشومسكي، المنظّر البارز في اليسار التحرري، لم يطرح أبدًا بديلًا ثوريًا ناجزًا، بل ظل في أغلب أطروحاته ناقدًا ثقافيًا للنظام الأمريكي.
التحليل العلمي لا يكتفي بالاقتباس، بل يُخضع كل رأي للسياق التاريخي. وهذه الشخصيات، رغم اختلافاتها، لم تطرح تصورًا ملموسًا عن كيفية تحطيم الدولة الرأسمالية وتنظيم مجتمع بديل متماسك.
⸻
4. في التناقض المنهجي: من الدعوة إلى التنظيم إلى رفضه
يدعو الجوهري إلى “مجالس، تعاونيات، شبكات أممية”، ثم يرفض أي شكل تنسيقي عام يخضع لها. كيف تُنسّق نضالات دون مركز؟ كيف تُنظّم قرارات دون آلية؟ من يختار، ويفوض، ويحاسب؟ ما يُطرَح هنا هو نفي للتنظيم باسم الخوف من السلطة، لا مشروع لبنائها من أسفل.
الاشتراكية ليست رفضًا رمزيًا للسلطة، بل تفكيكًا لبنيتها الطبقية وبناء نقيضها على أسس ديمقراطية طبقية: انتخاب، مساءلة، انضباط، شراكة. هذه ليست مركزية بيروقراطية، بل وحدة طبقية.
⸻
5. عن التجديد الحقيقي: لا إصلاح للكارثة بل تجاوز جدلي
يتهم الجوهري أطروحتنا بأنها “تجميل لقلعة الدولة”، بينما نحن نطرح تفكيكًا جدليًا لبنية الدولة البرجوازية، من خلال أدوات بديلة لا تحذف السلطة بل تعيد توزيعها طبقيًا. التجديد لا يكون بالقطيعة المجردة بل بالفهم الجدلي: الحفاظ على الجوهر الطبقي، وتجاوز الشكل البيروقراطي.
نحن لا نُجمّل الماضي، بل نفككه كي لا يتكرر. نطرح حزبًا خاضعًا للطبقة لا حاكمًا باسمها، دولة تذوب لا تتكرس، أممية تفاعلية لا بيروقراطية. هذه ليست إعادة إنتاج، بل قطيعة جدلية من داخل التاريخ، لا خارجه.
⸻
الخاتمة: الاشتراكية تمر عبر أدوات التحرر، لا بإنكارها
الاشتراكية لا تتحقق بنفي السلطة بل بامتلاكها وتحويلها. لا تُبنى باللاسلطة، بل بسلطة العمال المنظمة ديمقراطيًا. الحزب والدولة أدوات، لا غايات. إذا حذفتها باسم الطهرانية، ستجد الدولة القديمة واقفة في الباب، مستعدة للعودة.
نحن لا ندعو إلى استنساخ الماضي، بل إلى تجاوزه من خلال التجربة، التنظيم، والممارسة الواعية. من دون أدوات، لا تُصنع ثورة. ومن دون سلطة طبقية واعية، لا تُهزم الرأسمالية.
تحيا الاشتراكية كتحرر واعٍ ومنظَّم، لا كحلم طوباوي مبهم.
ولتسقط البيروقراطية كما تسقط الفردانية اللاسلطوية.
ولتنهض الطبقة العاملة، بأدواتها الخاصة، تبني مجتمعها لا تهرب منه.
—-
ملاحظة ختامية
إن الكتابة مسؤولية فكرية وأخلاقية تتطلب من الكاتب أن يتحرى الصدق، والموضوعية، والالتزام بقضايا العدالة والحرية. كما أن النقد الموجه لأي نص ينبغي أن يلتزم بضوابط الحوار الفكري المسؤول، فيُناقش الأفكار لا الأشخاص، ويبتعد عن الشخصنة والمناكفات التي تفسد الحوار وتضعف قيمته العلمية.
كل نص يُكتب، وكل نقد يُقدّم، يعكس مستوى وعي صاحبه، وأخلاقيته، وانحيازه.
لذلك، نهيب بالقراء الكرام الالتزام بثقافة الحوار الهادئ والبناء، لما فيه خدمة الحقيقة، وإنضاج النقاش، وإثراء الفضاء الفكري بقيم التعددية، والاحترام المتبادل، والسعي المشترك نحو مستقبل أفضل.