أرض وحرية: صرخة من القبر لا تزال تتردد


أحمد الجوهري
2025 / 5 / 12 - 11:24     

"يمكنهم قتل الجسد، لكنهم لا يستطيعون قتل الفكرة."

مشاهدة فيلم أرض وحرية لأول مرة تشبه اكتشاف ركن منسي من التاريخ، حيث لا تزال الأفكار حيّة، ملتهبة، متوقدة. إنه ليس مجرد فيلم، بل وثيقة نضالية، قصيدة عصيان، وجرح مفتوح يرفض أن يندمل. من إخراج كين لوتش عام 1995، يغوص هذا العمل العظيم في عمق الحرب الأهلية الإسبانية، دون أن يقع في فخ التجميل أو التبسيط، بل يقدم صورة صادقة وموجعة عن التناقضات الداخلية لليسار، وعن ثمن الخيانة، وعن جمال الأمل الجماعي حين يولد من رحم الكفاح.

تابعته بعيون اشتراكي تحرري، نقابي لا سلطوي، يحمل قناعاته كندبة وعهد. كنت أنتظر مشاهد بطولية ضد الفاشية، لكن ما لم أكن أتوقعه هو أن أشعر بأنني مرآة لهذا الفيلم، متورط فيه، وأني جزء من هذا الألم الممتد، وهذا الحلم الذي لم يمت.

الذاكرة والإرث

يبدأ الفيلم في بريطانيا المعاصرة، حين تعثر حفيدة ديفيد كار — الشاب الشيوعي من ليفربول — على صندوق يحتوي على رسائل وصور ومنديل أحمر. هذه ليست فقط مدخلاً سرديًا، بل هي مفتاح لبوابة الماضي. الماضي لا يندثر، بل ينتظر. ينتظر في الصناديق القديمة، في الأوراق الصفراء، في الجروح التي تنتقل من جيل إلى جيل. حين تبدأ الحفيدة بقراءة مذكرات جدها، فإنها لا تكتشف قصة، بل تتسلم شعلة لم تُطفأ.

مثاليات الثورة في مواجهة واقعية السلطوية

قلب الفيلم لا يكمن في المعارك، بل في الخنادق الفكرية. ينضم ديفيد إلى صفوف حزب العمال الماركسي الموحد (POUM)، وهو تيار ماركسي ثوري حليف للأناركيين والاشتراكيين التحرريين. لا نشاهد جنودًا منظمين، بل رفاقًا يحلمون بعالم جديد يولد من رماد العالم القديم.

وفي لحظة ما، ينجحون. نرى قرية تُحرر من الفاشيين، ويبدأ النقاش بين المقاتلين والفلاحين حول مصير الأرض، حول الديمقراطية الحقيقية، حول إعادة توزيع السلطة والثروة. هذه اللحظة هي تجسيد لليوتوبيا، بكل فوضويتها وصدقها، بكل جمالها القائم على المشاركة والندية.

لكن الحلم يبدأ في الانهيار من الداخل. الحزب الشيوعي، المدعوم من ستالين والاتحاد السوفيتي، يبدأ في قمع الحلفاء الثوريين باسم "الوحدة". هنا تنكشف الخيانة. يتم التخلي عن الثورة لصالح التحالفات الدولية والمساومات الدبلوماسية. يتم قمع من قاموا بالقتال، وتشويههم وتصفيتهم.

ديفيد، ككثير من المثاليين، يجد نفسه ممزقًا بين الولاء والضمير. ينضم إلى الجيش النظامي، آملاً أن يكون له أثر أكبر، لكنه يرى بعينيه كيف أن رفاقه يُعتقلون ويُعدمون لمجرد أنهم رفضوا الخضوع للخط الستاليني. حين يمزق عضوية الحزب الشيوعي، لا يفعل ذلك من فراغ، بل كصرخة ضد خيانة الفكرة.

بلانكا: قلب الثورة النابض

من بين الشخصيات، تبرز بلانكا. امرأة مقاتلة، معلمة، حُرّة. تمثل جوهر الاشتراكية التحررية: التضامن، وضوح الرؤية، ورفض السيطرة. حضورها هو روح الثورة، وغيابها هو فجيعة الفكرة.

لكن دفنها في أرض حررها الفلاحون يحوّل موتها إلى زرع. جسدها يعود إلى الأرض التي قاتلت لأجلها. موتها يصبح بذرة. وحين تسكب الحفيدة حفنة من تراب قبر بلانكا في قبر ديفيد، فإن اللحظتين تتوحدان. الماضي والحاضر، الجسد والفكرة، النضال والإرث، يجتمعان إلى الأبد.

فن في مواجهة النسيان

إخراج لوتش يتميز بالبُعد عن الزيف والافتعال. لا بهرجة، لا بطولات مصطنعة. معظم الممثلين غير محترفين، وهو ما أضفى على الفيلم روحًا واقعية مؤلمة. النقاشات بين المقاتلين حول الملكية والأرض والديمقراطية تبدو وكأنها نُقلت من أرض الواقع، لا من ورق السيناريو. الفيلم لا يفرض رأيًا، بل يفتح مجالًا للتأمل العميق: ما هي الحرية؟ هل يمكن محاربة الفاشية دون الوقوع في نفس بنيتها السلطوية؟ وهل تستحق الوحدة أن نضحي من أجلها بالمبدأ؟

الجواب الذي يقدمه الفيلم صعب ولكنه واضح: لا ثورة تنجح إن خانت نفسها. لا يمكنك أن تقاوم الفاشية وأنت ترتدي زيها بلون مختلف.

شهادة شخصية

أرض وحرية لم يهزني فقط سياسيًا، بل إنسانيًا. كمن يرى العالم من زاوية الصراع الطبقي والحرية الشعبية، شعرت أن هذا الفيلم يخاطب روحي. ذكّرني بأن الخيانة لا تأتي فقط من العدو، بل كثيرًا ما تأتي من من نادوا يومًا بالعدالة.

لكن الفيلم ذكرني أيضًا بشيء أقدّسه: حتى في الهزيمة، هناك نصر في الحلم. حتى في القبر، نحن لم ننتهِ. أفكارنا يمكن أن تعيش، إن ورثناها لأجيال جديدة بصدق وشجاعة.

هذا الفيلم أصبح جزءًا من مكتبتي الأساسية، لا كعمل سينمائي فقط، بل كدرس، كنصب تذكاري، كبذرة جديدة.

"إلى الذين ماتوا وهم يقاتلون، ليس من أجل علم، ولا من أجل حكومة، بل من أجل بعضهم البعض."