رواية ( هروب . . بين مضيقين ) / الحلقة ( 11 )
أمين أحمد ثابت
2025 / 3 / 25 - 16:47
* * *
عدن تستوطن روحك دون مدن اليمن الاخرى ، رغم ارتحالك واسرتك الى تعز . . كان وعمرك اربعة عشرة عاما ، ورحل ما تبقى لاحقا من الاقارب فيها الى شمال اليمن ، لم تبقى سوى ابنة خال واحدة تعيش وزوجها في منطقة القلوعة ثم استقروا في التواهي – تحن إلى مسقط رأسك واخوتك ، وحيث يوجد قبر ابيك – تجد مهما تقدم بك العمر . . تلهبك ذكريات الطفولة وبدء مراهقتك – لم يعد لك بيتا فيها ، لمن تذهب إليه ، فجميع من لعبت ولهوت معهم . . قد كبروا في دارهم ، وقد يكون قد تحصل منهم على بيت له غير بيت ابويه – فالمساكن صارت تابعة للدولة ، توزع وفق الاحتياج بنظام التسجيل والانتظار . . حتى يصل دورك ضمن دفعة المستحقين لاستلام السكن – كان انتقال العيش الى الشمال بإلحاح عائلة والدتي لتكون وصغارها القصر تحت رعاية اخوتها وابنائهم واولاد عمها كثيري العدد ، المقيمين في موطنهم الاصلي لتاريخ العائلة منذ ما لا يقل عن مائتين عام – إنها عائلة كبيرة ذات مكانة اجتماعية عالية وبأملاك شاسعة – ما تعملي في عدن لوحدك ومعك ستة اطفال صغار ، بينما ستكوني واولادك بين اهلك ، لن تحتاجي لأحد في عيشكم ، فإرثك وغلول الارض وايجاراتها تمكنك من تربيتهم حتى يكبروا – لن يقو احد على الاقتراب منكم . . فأنت لك من يحميك واولادك – انت وزوجك الله يرحمه من تعز ابا عن جد لمئات من السنين الماضية ، حتى املاك ابو اولادك لا تحصى هناك و . . ضروري ستسترد ، واسمه كبير من قادة الثورة الاصليين ، وما وجوده في عدن إلا كهارب من الامام بعد حكم الاعدام عليه – مثله كغيره من قادة 1948 – الذين عادوا بعد قيام الجمهورية وفضل البقاء في الجنوب بسبب بقاء فلول البدر بن الامام وغير المجمهرين الملكيين من مشايخ وقبائل شمال الشمال و . . من غرسوا الكثير منهم في تعز عبر حكم الامامة الزيدية . . كعائلات نافذة ترتبط بانتمائهم القبلي والمذهبي لشمال شمال اليمن ، حتى من تعايشوا مع الجمهورية – مادام نظام الحكم الجديد في سعيه لاستمالة ولائهم له . . لا يغير من واقع وجودهم التمييزي لهم – كما اعتادوا عليه من قبل أن يكونوا - فوق ابناء تعز ، عدم المس بملكياتهم ونفوذهم وسطوتهم ووضع ابنائهم في المناصب العليا و . . منحهم الامتيازات عن سواهم . . في كل شيء ، وهم كإرث عائلي متناقل الى الابناء والاحفاد . . يبطنون سرا ولاء ارتباطهم بالملكية ونزعة التقوي بالعصبية لشمال الشمال – هو ما عرفته ممن ألتقيت لاحقا من رفاق والدك ، أنه طلع الى الشمال ، واكد عبدالرحمن نعمان والامين العام المساعد لحزب الاحرار . . أن ابك هو من كتب واعلن بيان الثورة والجمهورية في تعز و . . ليس كما دون زيفا كتابته واعلانه من قبل شخص اخر بإلقائه عبر الاذاعة في صنعاء – كان قد غادر اليوم التالي الى عدن رافضا البقاء وتعيينه لمنصب وزاري عند اعلان الحكومة – كنت تسمع احاديثه فيما دفعه للعودة الى عدن ، لطفليه الذين تركهما بعمر السنتين والثلاث . . وزوجته وليس لهم احد غيره هناك ، وأن الجمهورية رغم سقوط نظام الامامة ستظل مهددة بسطوة قبائل شمال الشمال غير المتمدنة ، المتسلطة بالسلاح والمال والعصبية ، والمغروس منها في تعز ومختلف المناطق من شمال اليمن ليس بقليل ، وليس الامر فقط بالفلول الملكية المحاربة ضد الجمهورية ، وهو ما تأكد استمرار الحرب ضد الملكيين لستة سنوات بعد سقوط النظام الامامي في سبتمبر1962 . . بدعم سعودي كامل – كان سنوات الحرب الستة قد كشفت للحكم السعودي استحالة عودة الحكم الملكي في اليمن ، وبإرضاء سري غير معلن لبريطانيا . . غيرت اللعبة بعقد اتفاقية ملزمة بين الطرفين المتقاتلين ، يتم الاعتراف بالنظام الجمهوري لإنهاء الحرب . . مقابل اشراك جانب الملكيين كمجمهرين في الدولة الجديدة ، تمت عمليات اغيال متعددة لرموز سبتمبر ، خاصة العسكريين منهم ، فكانت اخر محاولات اسقاط النظام الجديد بذريعة فشله بحصار صنعاء من القبائل الموالية سرا لعودة الملكية ، فتح الحصار بالمقاومة الشعبية وقوة الجيش . . فكان اعلان الانقلاب على الرئيس ليستبدل برئيس قاضي شرعي . . ترضى به الاسرة السعودية الحاكمة ، ازيح المدنيين والعسكريين من المناصب العليا في الدولة . . من المناطق الاخرى . . المنتمين اصلا للثورة– غابت عدن بعد الانتقال الى الشمال ، اخرجت وثائق تعريفية رسمية وبطائق بكونك واخوتك من مواطني اليمن الشمالي ، مسقط رأسكم ذبحان تعز ، لا يربطكم شيء بالجنوب – لا تذكروا انكم جئتم من عدن . . تضروا انفسكم – بعد حكم يسار الجبهة القومية للجنوب بدأت الحرب العدائية بين الدولتين – بملعوب دولي – احداهما ملحدة كافرة والاخرى رجعية ، لا يجرأ شمالي النزول الى الجنوب لزيارة اهله خوفا من تهمة عمالته للأمن الوطني لنظام الشمال ، ولا يطلع من الجنوب انسانا لزيارة اقاربه في الشمال خوفا من اتهامه كعميل لجهاز امن الدولة لنظام الجنوب ، يخفى المرء فيه . . بين الموت تحت التعذيب الوحشي او التصفية الجسدية ، يختفي الانسان . . ولا يعرف له اثر . . . .
عاد الحنين يتملك كل مشاعرك واحاسيسك و . . زادهما ثقلا عليك مع تشكل رؤاك وقناعاتك العاطفية في عمر الستة عشرة سنة . . خلال ابناء خالك ، العائدين في اجازاتهم الدراسية الجامعية خارج اليمن – كانوا جميعهم منتمين بين الفكر القومي واليساري – كانوا وضعيين الاعتقاد ، يعادون التقاليد البالية والاعتقاد الخرافي والفكر الديني المتزمت ، يؤمنون بأن الواقع بضروراته يفرز القوانين والفكر الملائم لإدارته . . وليس من خلال افكار ومعتقدات قديمة . . كانت تحكم المجتمع قبل قرون طويلة ماضية – كانوا من اسرة ارستقراطية بكويه عثمانية ، ذات مكانة ونفوذ خلال حكم الامامة لشمال اليمن ، ولتلاشي سند الباب العالي العثماني و . . وجودهم في منطقة حضرية وحيدة فيه ، تنسب ولاء اجيالها الشباب لمنحى المدنية ، تم استهداف قوة استمرار تاريخها طوال حكم الجمهورية بحكامه المتعاقبين – كما غيب تاريخ والدك ونهبت املاكه – فكك ارثها . . مع اضعاف مكانة ابناء اجيالها اللاحقين ، نهبت الاملاك وضاعت بعد . . إيقاعهم في شرك التفرقة فيما بينهم . . بتنمية نزعة الاستحواذ الفردي على حق الجماعة . . كرمز للقوة والسطوة ، يعتقد المنتصر منهم أنه الامتداد الحقيقي المستحق والوحيد لإرث العائلة العريق القديم ، دونا عن بقية الاخوة واولاد العمومة الضعاف – قلة من فروع العائلة ، التي نزعت للحفاظ على استمرار وضعيتها الماضية من خلال وضع نفسها خادمة تابعة امينة في ولائها لمركز القوة في الحكم وعصبته المتسلطة واقعا ، مقابل انسحابها من رابطة الدم العائلي ، فتحسب مكانتها من العائلات والمشيخات ربيبة سلطة الحكم . . بنسبها العائلي وعن المنطقة . . تحتكره لنفسها فقط .
محيت حقيقتك كمئات والاف مثلك واخوتك . . بتغير موطن اقامتك . . بين نظامي حكم عدائي كل واحد منهما تجاه الاخر ، جرا بلديهما للاحتراب ، لعقود دون توقف تقود الى تعمق الكراهية بين اليمنيين و . . تمزق ما كان يعرف باليمن الطبيعي قديما . . الى دويلات كانتونات مناطقية مليشاوية متخلفة ملتحفة صبغة المذهبية الدينية ، التابعة لمركز النفوذ الخارجي . . الذي يمنحها قوة تسيدها في الداخل – تقول أنك من ابناء عدن . . يلفظونك من هم هناك ، وإن كانوا وافدين من السلطنات . . خارجها – تخفف ازمتك فتقول انا شمالي ومن تعز ، يحقرك القابضون على الشمال . . فنحن سادة عليكم وانتم لم تخلقون إلا لتكونوا طوع امرنا – تهرب الى تعز منطقة ابائك واجدادك . . انت وافد غريب بيننا ، لا مكان لك إلا أن تكون نكرة وسطنا ، و . . زمان اباؤك واجدادك محي و . . لم يعد له اثر – اين تذهب ، اين وطنك الذي تنتمي اليه – ما دمت دون عصبية منتفعة تحمي ظهرك ف . . انت لا وجود لك – ضجيج يبدو لن يغادرني ابدا ، إن تناسيته لحظة . . يعود مجددا و . . يأبى أن يفارقك ، حين بسطت عمرك بين اهلك وصحبك ، وعندت بأن لك هوية ووطن . . اجبرت على الهروب الى بلد اخر ، ومازال يؤرقك ذات الضجيج . . حتى في ضياعك ببلد غريب . . لا صفة او معنى لوجودك – وجدتني في دوراني اليومي في شوارع وازقة القاهرة واماكنها المختلفة . . بعد رجوعي من الاسكندرية ، لا تفارقني الاحاسيس والهواجس نفسها ، كل مرة تأتي بصور وكلمات معدلة جديدة ، لكنها تترك داخلي ذات الاثر ، أكان هناك ما يسر أو كان هناك ما يجرح مشاعري او يصدمني ويرجعني الى حالة الاكتئاب وانشوطة الاحساس بالضياع . . .
كان لي . . وطن
يقف على راحة يدي
- خمسون عاما –
أشكله بساتينا – تارة –
بألف لون . . ولون
، يترامى فيها . . اسراب عاشقين
. . يمارسون حلمهم
، يماحكون ظلهم
. . ولوقتهم يرسمون
. . صورهم القادمة
. . أطياف مدى
. . تتبرعم خفية في ارضها
طيور . . وعصافير منيرة
، تحيل المحيط
. . أغنية
. . بكل لون
، بكل نبض
. . يسكن النفس
. . سحرا
. . ويزول العداء
- خمسون عاما
. . كان عنــــدي وطن
، أشكله . . ســرا
، وحين اعلنته جهرا
انهمرت اللعنات - طولا و . . عرضا - علـي
، تكفير
، تخــوين
، حتى . . شوارع بلدان التجأت إليها
. . لم تستر ضعفي
- منها . . استوقفني
. . بخلو الاسباب
، واخرى
. . توقيف اشتباه
، فيزه للمرور -
عيون تلاحق خطوك
، ترصد . . مسار احلامك
. . عند المنام
، تنسل خلسة . . إليك
، وتعرف . . وجهتك القادمة
- خمسون عاما
. . اعيد رسم عشقي
لبلد . . مرتحل دائم
، امسحه خلجان . . تنبسط خجلى
- عن عيون الزائرين -
، تخفي كعوب جزرها المرجانية
، وأطرافها المرمرية . . تغطيها
. . بعشب ألوان قزح
، وبصخور قذفتها السماء
- درء فتنتها
، فيحدس السنونو
، ويملأ طير البحر
. . الكون زعيقا
، وتستثار رياح المحيط
، تغزل الزوابع
. . برمل الارض
. . وزخات متكثفات الماء البارد
- لي وحدي . . اشكله وطنا
، اخفيه عن اقوام . . يعشقون الفيد
. . بديلا عن المدنية
، يعشقون ذلهم
. . توهما بالحرية
- وحدي . . في كل مرة
أعيد خطوط رسمه
. . ولا تستوقفني السنون
، ولا إعلان . . قتلي
. . ببرود
، حتى استوقفني الذهان لحظة
- نعم . . وجدتني على الدوام غريبا -
حتى . . تساقطت الانباء
، بلدي . . موطن للدم . . والاشلاء
، موطن للوباء
. . للجوع
، للانتهاك
. . والنهب المشرعن
، باسم دين ينقذ الانسان
. . بإزهاق الروح
، باغتصاب الاطفال
. . وتقطيع اوصال المدن
وانتهاك حرمات النساء
- تتقاذفني . . ملايين الشائعات
، ومساحات الهروب . . من القاذفات
، من كل صوب
، من خنادق . . دمى الاقتتال
، تلاحقني . . والمسالمين هربا من المعركة
. . معركة كاذبة
، معركة خاسرة
، تلطخ لوحة وطني
، تحقن الارض باللون الاحمر
، وتوزع اشلاء الطفولة
. . في كل المواضع
، حتى خطوط مقياس الرسم
، والجدر الذي تقف عليه
- تلفت . . إلــــي
. . في مخبئي عن الغافلين
، وجدتـني
لا بيت لــــــي
، لا حقوق
- لا وجود -
سوى . . كوني المصادر
، تائها . . في وهم طفولتي
( الخمسين )
- كيف مرق العمر . . بك
، وسرا . . همست إلـــــي :
لم يكن هناك وطن
يقف على راحة يديك
، لم تكن سوى منسب . . لبلد
. . اسمه . . يسبي العقول
، وثوبه السحري . . لا يعادله وجود
، لم تكن غير . . طفو معذب
يعيش ارضا . . كما ليس له وجود
، ارض . . حقنت بالسواد
- من ألف عام -
حين جفت مياهها
واستبدلت . . بمعارك التفيد
والرجولة . . بإسالة الدماء
- في كل وقت -
ما أن تنتهي المعركة
، يعود القتلة . . لإدارة المعاش
، ويعودوا الناس
. . إلــى التوهم . . وعيش الذهان
، ويعود الانفجار مجددا
، حصــــار
، ذل
، وبرك . . من الدمـــــاء
- ما أن غادرك الذهان لحظة
، وجدتك . . معرش بالوهم
، لم يكن . . لك وطن
، وحتى . . البلد الذي . . صلبت إليـــه
، ورضعت الفخر . . بالانتســـاب
. . إليـــه
. . مهدد الان
بالـــــــزوال .