رواية ( هروب . . بين المضيقين ) / حلقة ( 10 )


أمين أحمد ثابت
2025 / 3 / 21 - 18:16     

* * *

كم من الشهور اقمت في شقة المنيا ، ما دفع انتقال اقامتي في الدقي - لا تحضرني غير الافتراضات ، فبعد أن اخترت طريقتي التغيبية والعودة المتأخرة بعد منتصف الليل كسبيل يبهت ثقل حضوري كضيف ثقيل ، ومن جانب اخر انهاء إحساس سهيل وعلي بأن وجودي يخلخل نظام حياتهم الطبيعي لقبل مجيئي . . كضيف لا متناهي زمن بقائه – اصبح من النادر . . احس بعلامة الضيق او الانزعاج غير الصريح من الصديقين ، لم اعد أرى خطيبة علي واعرف انها كانت تأتي نهارا بعد خروجي بوقت وتغادر قبل عودتي من بعد منتصف الليل – كانت معتادة على البقاء حتى الفجر بسبب عمل المشاريع المشتركة او المذاكرة لاختبار او امتحان في اليوم التالي . . يذهبون معا الى الجامعة - كنت بين الفينة والأخرى عند عودتي او إذا ما تصادف صحيان أي منهما قبل مغادرتي في الصباح الباكر . . احظى باختلاق حديث ودي معي . . ما هو برنامجك اليوم ، وكيف كانت ايامك السابقة ، عندما تتأخر او حد عزمك للبقاء عنده . . كن اتصل تلفون وخبرنا . . حتى لا نقلق عليك ، واحيانا . . بعد الاعتذار عن التقصير تجاهي بسبب زحمة الدراسة – غدا عندنا إجازة سنقضيه معا في التنزه والمسرح . . بالذهاب الى اصدقاء وقضاء اليوم معهم . . بدعوة مخصصة لك تحديدا . . .

توسعت حدود علاقاتي ، لم اعد مجبرا على قضاء عشرين ساعة من اليوم اجوب الشوارع والامكنة ، اشغل النهار بالزيارات المتعلقة بحل مشكلتي أو اخذ راحة يوم للاختلاء بنفسي ، ازور من الأصدقاء ممن سكنهم قريبا من مكان تواجدي ، او بقضاء الوقت مع صديق او اكثر ممن التقيهم في طريقي ، يكون يومهم فارغا من أي انشغال ، يلحون على قضاء اليوم معا – عدت حر نفسي . . كما اعتدت عليه أن أكون طوال حياتي ، لا أحدا يملي علي ما أقول او اعمل – غادرتني مشاعر الوحشة والغربة والضياع – عدت اقاتل لأحيا ، دفعت ثمنا باهضا واسرتي – وجدتني اطوف القاهرة بباصات النقل العام ، اترحل من ركن من التحرير ترتص فيه بخط مستقيم سيارات اجرة جماعية الى المنصورة ، ومن شارع جانبي من التحرير يدخل الى وسط البلد . . تصطف المايكرو باصات الأجرة في محطة نقل أهلية الى أسيوط وغيرها من البلدات خارج القاهرة ، منها قررت دون تفكير ذات ليلة الذهاب الى الإسكندرية ليوم واحد ، اخبرت سهيل اني وجدت صديقا انه سيستضيفني ليومين عنده في الزقازيق – لماذا اذهب للإسكندرية و . . ليوم واحد بليلته واغادر عصر اليوم التالي . . لا قيمة من ذلك سوى عذاب السفر ، ولم اخذ عنوانا او تلفونا لأي يمني هناك للنزول عنده – كان يمكن ان تكون الرحلة لعدة أيام ، خاصة واني التقيت بعدد من الدارسين هناك وكان منهم زملاء دراسة من مراحل التعليم العام و . . اثنين من أيام الجامعة – ما الذي دفعني لذلك – حين وجدت فراغا كبيرا للتفكير وتجاوز حالتي النفسية المأساوية ، اعتدت ابحث عن تفسير وتعليل لكل شيء ، حتى بما يبدر مني من سلوك عفوي في الماضي او الحاضر – تساءلت بعد عودتي . . ما سبب قرار السفر المفاجئ الى الإسكندرية . . وليوم واحد . . لا معنى له – بغض النظر عن قلة المال لدي والذي لا يغطي نفقة النوم والاكل لقضاء يومين سياحة على الأقل في الإسكندرية – استرجعت يوم وصولي حتى عودتي بالقطار بعد منتصف الليل – وجدتني اتمعن والشارع الرئيسي الممتد على الشريط الساحلي ، حيث ترتص على جانبه مقابلة للساحل الفنادق والعمارات السكنية والبنسيونات ، وقفت على الطريق الذي يحرساه تماثيل الأسود المنتصبة على الجانبين – كنت اتأمل في شرود وكأني فاقد للوعي . . حتى عودتي – عرفت أخيرا أن ذكريات الطفولة قادتني دون أن ادري للبحث عن معالم ذكرى مجيئي مع والدي للعلاج من الشلل الكلي الذي اصبت به اثر وقوعي عن برميل . . لم اقوى بعدها على الحركة – أتذكر وصولنا ونزولنا من الطائرة في مطار القاهرة وانا محمولا على ساعد والدي بعد منتصف عقد الستينيات ، حين استقبلتنا سيارتين سوداويتين ترجل عنها عددا من لابسي البدلات بربطات عنق سوداء ، كان من تقدم الترحيب زكريا محي الدين الذي سمعت اسمه متكررا فن احاديث والدي – كان ابي احد قادة 1948م ، بعد هروبه من حكم الإعدام الثالث من الامام احمد بعد حكمين سابقين من ابيه يحي حميد الدين – كانت مصر محطة التقاء لقادة الحركة . . وداعمة لهم – مباشرة نقلونا الى مستشفى القوات المسلحة بالمعادي – أتذكر اكثر من عمليتين اجريتا على ظهري في العمود الفقري للأعصاب النخاعية ، كنت بعد كل عملية اظل ممدا على بطني لأيام طويلة وال يسمح التقلب حتى على الجنب ، شهور بعد استكمال الجراحة نقلت الى الإسكندرية الى منتجع صحي لمدة ستة اشهر واكثر – أتذكر احواض السباحة وتدريبهم لتحريك اعضائي ، والمساجات لأطرافي السفلية والعلوية والجذع . . التي كانت تجرى ثلاث مرات في اليوم ، والسير خطوة ثم خطوتين في وقت لاحق . . حتى عدة خطوات متتابعة بين قضيبين مستعرضين امسك بهما بعد إزالة المثبتات المعدنية على عمودي الفقري وقدمي سابقا – أتذكر حين كان الأطباء في اليمن يقرعون على ركبتي في اليمن وفي الأيام الأولى قبل العمليات الجراحية و . . لا اشعر بشيء ولا يصدر أي رد فعل انعكاسي لا ارادي عندهما – اجمع الأطباء في عدن ومنهم الدكتور عفارة باحتمال علاجي فقط في بريطانيا ، وحتى البعثة الصينية آنذاك من خبراء الاعصاب والعظام اكدوا ذلك – اذكر سفرنا الى اسمرة ثم القاهرة ، واذا لن يكون علاجي ممكنا هناك . . كان مستعدا للسفر الى بريطانيا – اكتشفت أني لن ازور الإسكندرية لكوني لم آتي سياحة ، فمحطتي الوحيدة هي القاهرة للالتحاق بالدراسات العليا او المغادرة منها في بعثة الى الخارج او الرحيل الى عدن – كانت زيارتي بحثا عن معالم شبحية مخزونة في الذاكرة ، لم أتذكر معلما حسيا واحدا غير البلاج ومنتثرات الصخور على الشاطئ و . . ذلك الطريق المحروس بالأسود الرابضة . . فقط – اين نزلنا ، اين تنزهنا – لم اذكر سوى اخيلة من بعد استكمالي العلاج والسير ببطء على القدمين وحين اتعب يحملني على ساعده الأيمن - اتذكر شراء الفول السوداني المملح خلال الكورنيش واللعب بمياه البحر الضحلة على الشاطئ وبناء القلاع من الرمل ، واخذي مرة لعرض سرك في الإسكندرية – لا تأتيني الذاكرة إذا ما كان عرضا لسيرك روسي مستضاف او السيرك الأهلي المصري – استأجرت غرفة في فندق رخيص ثلاثة نجوم لليلة واحدة عند الرابعة عصرا ، ينتهي موعد الإقامة عند الثانية عشرة ظهرا من اليوم التالي – كانت نافذة الغرفة الزجاجية الواسعة تطل عن بعد على منظر الشاطئ ، اغتسلت وغيرت ملابسي – تناولت كأسي شاي من مقهى شعبي يقع في الجوار ، سألت عن الوصول الى محطة القطار ومواعيد تحركه الى القاهرة – تمشيت لمدة ساعتين ، وعلى الكورنيش تناولت سندوتشات وحملت معي فول سوداني وبذور عباد الشمس . . ظللت اتسلى بها بتقطعات مع تدخين السجائر . . من بدء ارتخاء اوصال النهار ورحيل الرمق الأخير من الضوء بعد غروب الشمس وابتلاع زرقة البحر المظلمة لقرصها الأحمر الباهت عند لحظتها الأخيرة – ارخيت جسدي عند جلستي على الشاطئ ، تارة بالجلوس مبحلق في الرداء الأسود لصفحة مياه البحر ، الممتد امامي الى اللامنتهى ، وأخرى بالاستلقاء على ظهري والغرق في الفضاء المنقط فسيفسائيا وبشكل عشوائي يتوزع الظلام الدامس فيها والضوء الشاحب الصادر عن القمر المتسلل ليلتها وراء سحب عابرة ، تنكشف منقطات لامعة من النجوم الكبيرة والبعيدة وأخرى مطفأة صغيرة الحجم ، يشرد بين الحين والأخر لمعان شهب تتحرك في الفضاء او يسقط منها دائخا الى الأرض في أماكن بعيدة من الشاطئ ، وحين تملني السماء من بحلقتي الشاردة فيها ، اغمض عيني مفرغا ذهني . . فإذا بي اجدني اسير متلاطمات موج البحر بين نفسه وأخرى عند ارتطامها بالصخور – كانت الساعة تشير الى الحادية عشرة مساء ، عدت الى نزلي بعد أن اشتريت على طريقي سندوتشين من عربة بائع على الطريق ، طلبته وضع قليل من المخلل خارج الرغيفين واخذت قطعتي خيار وتفاحة ومن المحل المجاور له شرابي لقضاء بقية الليلة مع نفسي ، فالتلفاز كان موضوعا في ردهة عامة من كل طابق . . .

تغيير المكان والناس ادخلني في شعور من المتعة ، ادركتها بعد عمر طويل أنها تختزن في داخلها سر حالة التوازن داخلي ، مهما سقطت في أسوأ الظروف واقساها ، تعيدني بقوة الى الاستمرار وتعديل مساري وطريقتي – اول كأسين خلال قضمات بعض المخلل مع بعض حبات الفول السوداني الذي افرغت ما تبقى في جيبي على الطاولة ، فتحاني على مرئي والدتي الحزينة و . . شريط الأذى الذي انتهى بهروبي خارج اليمن بعيدا عن اسرتي ، وغصة لقاء خالي بعد أن مسحته من داخلي – اعدت مسندا رأسي الى الوراء على المقدمة الخشبية للسرير بعد تعديلي للمخدة . . لإراحة ظهري ، قربت الطاولة لتكون الأشياء على امتداد يدي – كأسين أخريين . . انتابني شعور بالاعتزاز والفخر لعدم انسحاقي تحت كل ما حدث معي ، واعرف أن كثيرين انهاروا ولم يتحملوا ولو قليلا مما جرى معي – اعتدلت متناولا عشائي مع قليل من شرب الماء ، غسلت اسناني بالمعجون ثم انسللت الى داخل البانيو صغير الحجم ، اخذت دشا فاترا . . تاركا نفسي لبعض من الوقت في جلوس مقرفص تتساقط علي المياه من الرشاش ذات الثقوب الضيقة ، جففت نفسي وارتديت بجامة النوم ووضعت البطانية والملاية مغطيتان نصفي الأسفل في وضع استرخائي السابق ، اطفأت ضوء الغرفة الرئيسي وانرت مصباح الاباجورة بنورها الخافت ، بتأني يفرغ كأسي لاصب الاخر – كان النعاس يتعارك معي – لم اكن راغبا بقهر النوم لي ، فأنا أعيش لحظة نادرة من اللذة ، حتى ذكريات العشق والجنس الجنوني الذي كان يسحرني - احتواني عند الكؤوس الأخيرة قبل أن يجثم علي سلطان النوم تحت تأثير قاطع للموسيقى الهادئة الواصلة عبر سماعة اذني علي – ذكرى كل من عبرن بالعشرات من العلاقة معي – كنت معروفا بالخجل والحياء ، ولم يحدث اني بادرت واحدة بالمغازلة او التحرش ، كن هن يأتين إلي ، ولم اكن اتقبل سوى فائقات الجمال – كنت اشبه بساحر موهوب ، أية امرأة ترتبط بعلاقة معي تستمر لسنوات طويلة ولا يحس بها احد ، حتى من كان يحدس او يخمن باشتباه من خلال كلامها او سلوكها العفوي امام الاخرين حين يتعلق الامر بي ، يتعب ويمل ويترك الامر لحالة من التجاهل – لم اكن اعاني من شذوذ هرموني ، لكني وجدتني منذ عمري الأول ملعوب لاستلذاذ فتيات ونساء متزوجات . . ألهبن في الشهوة منذ سن الثمان سنوات في طفولتي ، غرسن تفاصيل الاثارة والتهييج لهن منذ ذلك الزمن – كنت اسمع كثيرات يعلقن على حالات الانتصاب المتواصل عندي في صغري ، وارى الفضول الاعين المتابعة لذلك الامر – نحن مجتمعات بسيطة مغلقة ، يبدو أنه كن يتناقل الخبر بينهن في السر ، وكان شكلي المهجن الجميل كما كنت اسمع مدحهن في جمالي - تفاصيل استلذ بها لهروبي من افراغ رغباتي الملتهبة مع بائعات الهوى الرخيصات ، خوفا من السفلس والسيلان الذين كانا امرا مخجلا الإصابة بأي منهما ، وكان وقتها علاجهما ضعيف ولا يقضي على المرض – لم تعد عيناي قادرتين على حمل ثقل اجفاني الساقطة عليها ، ذرقت كأسي الأخير في فمي ، سحبت جسدي تحت الغطاء بخمول واطفأت ضوء الاباجورة – كان النعاس والارهاق يتملكان كل ذرة مني – دوران بطيء متداخل يلف اركان الغرفة بي – افتح عيني بصعوبة واغلقهما . . تكرارا حتى فقد الإحساس بنفسي –تخيلتني متوطن في الاسكندرية ، وكأن فصل الخريف فيها الذي اعيشه مألوفا لدي منذ زمن بعيد - اطلت من شرفة سكني ، كانت الرياح باردة ، وامواج البحر تتقاذف بجنون على مد البصر - كان الخروج إعلان لنفسي . . مزيد من الام المفاصل وتنمل العضلات - دلفت الى الداخل ، ملأت حوض الاستحمام بماء نصف ، قلبته مرات ومرات بشامبو الاستحمام - شديد الرغوة - اشتريته من فترة ونسيت استخدامه - انزلقت قدماي برفق الى غور الماء ، وبانسكاب فاتر تنسل بقايا الجسد . . قليلا . . قليلا . . احتوتني صفحة الماء . . بسكون ، وبدأت لذة عشق تسري بيني وجزيئات الماء ، اماحكها ، أدغدغها ، افرقها واجمعها . . تارة اخرى - سرى دفء في داخلي ، انتزع غمة . . تستهلك انفاسي - لا ادري . . سببها - انسدلت عيناي بنوم قهري ، ثوان . . بدا لي دهرا . . لا يزول - هدوء يحتويني ، يبتلع حضوري . . بحنو طالما حلمت به . . حتى غرقت فيا الذاكرة .
برهة ، اذناي توقظ رأسي - حالتك امست غفوة شبه مستديمة - كانت قطرات ماء الصنبور تسقط بانتظام ممل ، تقرع جردل الماء - كما هو معتاد – يزداد رنين صوت ارتطام قطرات الماء ، تتحول الى صدى قرع طبول . . ضاجه . . تبادل موجها في مزيج التنقل بين رأسي وأذناي - كل قطرة . . تنهال كأنها سقوط جبل على هامتي - ظلال حالكة ولون دماء تسترق إلي - في غفوتي - بانفتاح الذاكرة - غرفة تعذيب في الامن الوطني - كانوا يتركونك في غرفة ضيقة نتنة الروائح ، وحنفية ماء تقطر . . طوال الليل - بعد ارجاعك من دوام التعذيب اليومي الممارس بلذة . . من محققين ملثمين . . يتباهون بسطوتهم - تخدر جسمي - لم اقوى على الصحو - كان شيئا يجرني لهاوية سحيقة للغرق - استفقت بعد عراك مرير - كانت اللذة . . قد غادرتني . . دون عود جديد - لم احس وجود الناس . . سوى بقايا ذاكرة . . عمن عبروا العذاب . . لأجل غيرهم - كأنه . . لم يكن قبلا . . معاش .