رواية ( هروب . . بين المضيقين ) / الحلقة ( 5 )


أمين أحمد ثابت
2025 / 2 / 26 - 16:12     

أن تسقط في ارض . . عاطلا ، تطغى عليك ألم العوائد
مجتمعة ، يخنقك الحزن . . عذاب المهانة واحاسيس الضياع و . .
غضب الكبرياء الصامت في ضعفك – أخفض سقف احلامك
و . . عش لحظاتك البسيطة .











. . . بدى كورنيش النيل في الجهة التي كنت فيها – بعد اللقاء المشؤوم - يغرق في السكون الصامت ، الشاحب في سواده المعجون بالرمادي المعتم . . تدريجيا . . حتى تلاشت صادحات الأغاني وخفتت الاضاءات الملونة . . الكاسية جانبي لسان مجرى النيل ، ولم تعد صفحة الماء تعكس النور بطبيعتها الفضية المتلألئة . . كما كانت عليه لساعات طويلة ماضية ، انفرطت تجمعات المتنزهين . . سوى من حالات متفرقة متباعدة كثيرا عن بعضها البعض من العشاق – كان الوقت ازفا للرواح ، فعقرب الدقائق قد عبر مسارا لا بأس به بعد الواحدة من منتصف الليل – قادتني قدماي اليا خلال مسالك الطريق الذي اتيت منه قبلا . . دونما تفكير – كان هناك شارعا شبه متسع خال من اصطفاف السيارات الواقفة – يبدو عليها منطقة غير سكنية – حتى مصابيح أعمدة النور القديمة . . قليلة العدد . . تضيء امتداد الشارع بشحوب فسيفسائي من التبقع بين الاظلام والاضاءة المستحية ، كاشفا عن ضعف التيار الكهربي الجاري خلالها – كان ينتصب على يسار الشارع عند منتصفه من طريق عودتي . . مرفقا بلوحة مخفر بوليس يعلوها النسر وتقف بوابة حديدية يقف على جانبها الايمن كشك حراسة – كان الموقع الأكثر اضاءة على امتداد الشارع – وقفت مدهوشا للحظة . . واعدت النظر بدورة كاملة الاتجاهات لامتداد الشارع
. . اعرف هذا المكان .
، مخزون في ذاكرتي منذ الطفولة . . زمان
. . عندما اخذني ابي للعلاج – شارع فؤاد
. . ما زال الاسم يرن في مسمعي .

رأيت بائع ذرة مغلية على عربة واقفة على الرصيف من الجهة اليمني خلال سيري البطيء ، ويقف اثنان لشراء كوز الذرة – سألت بعد إلقائي التحية بطريقة رصينة – اين شارع فؤاد . . من هذه المنطقة ؟ - انت فيه – رد ثلاثتهم دون اهتمام بمن يسألهم - واصلت سيري . . بين حالة من الشرود ولذة نشوى شبحية من فلم صوري يتحرك في مخيلتي من الذاكرة المطبوعة منذ الطفولة – لم أجد نفسي إلا داخل الشقة – كان الجميع متواجدا . . في حبور تام ، لم تكن لديهم أية تكاليف – اليوم كان مفتوحا . . ذهبوا للتسوق ومن ثم المسرح في الشوط الأول من السهرة – فينك طول اليوم ، اعتقدنا مسكوك اليوم في بيت خالك ، وخفنا أن تكون ضعت ولم تصل الى عندهم . . ليش ما اتصلت ؟؟ .
. . تمالكت نفسي من عودة حالتي السابقة من الانهيار ، فمشاعر الألم والصدمة . . بدأت اشعر بتسربها خلال تنفساتي ومفاصل ركبتي – فرحوا برؤيتي ، اخبرني خالي ما ابلغوه صباحا في السفارة . . بوجودي في القاهرة ك . . هارب من اليمن ، وعند اتصالات لم تقف من الداخل تطالبه بإعادتي فورا و . . إلا فهو متهم بتهريبي – اخبرهم بأنه ليس لديه علم إلا عند وصوله العمل ، وانني هارب من خلال اتصالهم الان – كيف هارب ، ما عليه . . إنه صغير السن ، مع امه واخوته الصغار . . يكافحون العيش – كلمني في عصبية عما جرى خلال تلك الاتصالات ب . . بتهديده وتحميله كامل المسؤولية ، ما طبع حديثه برد الفعل المتحدي في حالة من الشجار الانفعالي الحاد – يبدو أن تصعيد الموقف من التهديد والتحدي . . قد تلاه اتصالا حاسما . . لتخفيض حدة ما جرى – اكيد كان من الرئيس – قال بشكل قرار حاسم . . وصلنا إلى اتفاق باسمي تتكفل السفارة بقطع تذكرة عودتك الى صنعاء . . غدا صباحا دون تأخر ، في مقابل ألا يتعرض لك أي كان ، وأن تبتعد عن كل ما أوصلك الى هذا الوضع . . سيتركونك تستكمل إجراءات سفرك على منحة بريطانيا . . على أن يعاد تعيينك في الجامعة . . بعد أن يرون تعدل سلوكك . . وانشغالك فقط في دراستك العليا – والله . . جميل ذلك ، مبروك . . مبروك عليك ، حول الله خالك . . ليحل مأساتك و . . إلا كنت ستضيع – لا أعرف ما قاله كل من كان موجودا في محادثتنا . . صادرا عن فرحة مشاعر صادقة تفجرت بعد حالة من الم التعاطف مع حالتي منذ وصولي فجر الليلة الماضية ، أم انها كذلك ولكنها معجونة بانزياح كابوس يثقل على كاهلهم . . يتخوفون منه و . . لا يستطيعون التصريح به – كموقف أخلاقي أمام الاخرين – فحقيقة وجودي . . الضياع ، لا منحة دراسية و . . لا سياحة اعود بعدها الى اليمن ، لا معنى من وجودي . . سوى هروبي – ماذا يمكن أن يقدمونه . . لا شيء ، كم من الوقت . . يمكن أن يحتملون وجودي و . . كعالة عليهم – لن يحتملوا . . سوى بعضا من الوقت ، فمشكلتي . . لا حل لها – يحتاجون الى استمرار حياتهم الطبيعية . . دون دخيل عليها – كلهم طلبة من اسر غير غنية . . يكافحون العيش بالاعتماد على المخصص المالي المحدود الذي يتلقونه من الدولة كل ثلاثة اشهر ، الذي غالبا ما يكون غير كاف لتغطية نفقات العيش والاحتياجات للفرد الواحد لاحق لاستكمال دراسته في بلد غريب بعيدا عن اهاليهم . . حتى
موعد استلام مخصصات الربع السنوي التالي - الذي هو معتاد جبرا عليه أن يتحمله الطلبة اليمنيين المبعوثين في الخارج ، في كل بلدان العالم . . تأخر اعتماد وصرف وارسال النفقة المالية من الداخل ، او لفساد في السفارة ، يتذرع فيه كذبا تأخر وصول المخصصات من الداخل ، بينما يتشارك كل من المسؤول المالي والدائرة الثقافية في الاستثمار الشخصي للمخصصات الطلابية في عمليات التحويلات النقدية لعملة الدولار في السوق السوداء ثم عودة شراءها بالتسعيرة الرسمية ، أو عبر اعطاءها لتجار لا يتوفر لديهم حجم النقد الأجنبي اللازم عندها ، حيث يكون التوقيت بالنسبة لهم حرجا . . لا يسمح لهم السحب من ارصدتهم البنكية لانغلاق البنك في يوم إجازة رسمية أو توقف المعاملات مؤقتا لأمور داخلية تتعلق بعمل البنك ذاته – يكون هناك سمسارا أو اكثر موثوق به من سنوات طويلة ماضية ، يتوسط هذه العملية ، بل يتم اخطاره من فترة سابقة خلال بدء الإجراءات الطويلة لاعتماد مستحقات المبتعثين قبل ارسالها من اليمن – التي يتابعون بدقة يومية تفاصيل الإجراءات حتى ابلاغهم باليوم الذي سيتم فيها الارسال ، ويكون هناك شريكين منتفعين من ضمن الشبكة في الداخل ، احدهما مسؤول مالية البعثات والأخر في البنك المركزي – يعمل السمسار على ايجاد اكثر من عرض منتفع يمتلك كامل المواصفات القانونية للدفع ، يؤخذ منهم الأكثر ربحية ، بتسلمه كامل المبلغ المالي عند تاريخ اليوم التالي من وصوله مقابل شيك بنكي ملزم الدفع من حسابهم ، يتم صرفه في تاريخ يوم محدد غير قابل على التأخير – روتين حماية هذا الفساد في سفارات اليمن ، أصل بإرسال مخصصات المنح المالية على الحساب الخاص باسم المسؤول المالي للسفارة ، أو بتوقيع المحاسب المالي (الأساسي ) والملحق الثقافي كتوقيع ثاني ملحق – لا شك فيه أن وجودي . . المفتوح الزمن ، يمثل كابوسا مرعبا . . فرض عليهم ، لا يفهمون كيف سقط عليهم فجأة دون غيرهم و . . كم سيطول ، وهل يقدرون عليه . . حتى لبعض من الوقت – اعرف أني لو كنت مكانهم ، لكنت مثلهم . . تقتلني حساباتي الذهنية . . كما يجدون انفسهم واقعين فيه من حيرة وقلق – كان علي سرعة استكمال ما جرى من حديث مع خالي ، رغم علمي المسبق بأنه سيقع كالصاعقة عليهم ، خلاصته عدم قبولي للرجوع – كلكم تعرفون . . انه لا ضمانات لأحد في اليمن ، خاصة . . حين يكون الامر متعلق بالأمن الوطني – انغلق الحديث من حيث لم يتوقع أحدا ، في متغير نفسي مكتوم طال الجميع ، تتابع وقوف الواحد اثر الاخر مع تمنياته للآخرين نوما هانئا - وجدتني وحيدا بهمي وحسرتي على نفسي المجترحة دوما بفعل ما أنا فيه – غصبا عني – بإيذاء مقصود علنا أو دون قصد . . كما رأيت هذا الاخير في الوجوه قبل لحظات ، لمن فتحوا اذرعهم لي ولم يتركوني نهبا للتيهان في الشوارع والمجهول القادم ، خاصة وأن من عول عليه العون الحقيقي والوحيد . . تبخر ك . . مليمترات من الزئبق المسال حين تفتح الانبوبة المحتوية عليه . . في بهو فسيح . . . . .

كم من الزمن قد عبر منذ وطئت مدينة القاهرة ، مستضاف في شقة المنيا – كأنه دهر بطيئة أيامه – لن تعرف من حولك . . إذا لم تعايشهم عن قرب ، فمع مرور الوقت يرحل الواجب الأخلاقي من التعاطف ومراعاة المشاعر و . . الاستضافة غير المحددة بزمن – إنها طبيعة الانسان في هذا العصر ، إن تحمل غيره . . فلن يكون إلا لزمن محدود جدا ، لكونه يجد صعوبة في تحمل شؤون حياته الخاصة – سهيل كان كما شخصته خلال أيام الجامعة ، كعاشق لذاته . . من الصعوبة كسب وده كشخص مقرب منه . . إن لم تسلك ما يشبع ذاته من الارضاء التبعي العشقي له كشخص استثنائي ، إن تحدث . . تأكيد ما يراه ، وإن كان هناك مدحا فلا مدحا يستحق سواه . . او يقرن تشبيها به ، يقاتل من اجل ما يريد ، يجيد قلب كل شيء لتأكيد ما يراه او يسلكه او يفعله ، كثير المحاجة والجدل واظهار مالا يبطن . . في الأمور التي لا تريحه في انسان ما او موقف , . . يعرف أن تصريحه بذلك يسئ إليه او يرجع سلبا عليه ، مشاكس في القول كتعبير عن بساطته الودودة شديدة اللطف نوعا من ودود شديد اللطف و ليس غرور – انها الثقة بالنفس والقدرة المعرفية الموسومة بتفوقه الدراسي على دفعته – قد تلحظ أحيانا سلوكا لا إراديا لأثر قصر القامة عليه ، التي يجدها لا تتناسب وحجم ما يرى نفسه المتميزة . . غير البسيطة ، التي يفتقد مثلها كل من هم أطول قامة منه – عندما يتحدث امام الاخرين بلباقة وثقة بالنفس ، يشد عنقه باستقامة الى اعلى في ثبات متواصل حتى انتهائه من الحديث ، وحتى عند التقاط صور للذكرى ، وصادف من يقفون معه أو جواره أطول منه بشكل ملحوظ – لكن وجوده يضفي أجواء مرحة ومفيدة عند الاحاديث الجادة – حملت ايامي الأخيرة ، سمع من المحادثات الجدالية الضيقة بهمس داخل الغرفتين ، كان بعدها يبدي سهيل ضيقا يشعرني بتحسس علي سعيد . . من إطالة فترة وجودي – يخجل مصارحتي بذلك ، فكلامه مع سهيل . . لأني ضيف عليه أ . . أما هو لا يعرفني من قبل مطلقا - أما إذا خرج من المتحادثين على سعيد وخطيبته أو حتى زملائه المصرين المتواجدين في الشقة معه بشكل يومي ، فإنهم يشيحون بوجوههم عني . . تلميحا بطريقة تبدو غير مقصودة عن عدم الارتياح . . باستمرار اقامتي معهم – لا أعتب عليهم ، احتملوا وجودي دون تقصير ، من حقهم ذلك . . أن لا تكسر خصوصية حياتهم و . . الى متى - ماذا استطيع عمله . . لأشيء ، وهم غير قادرين على التصريح بكفاية الى هنا . . ما قصرنا معك – هو ما حسبته عند اصراري من اليوم التالي من وصولي ، بأن يكون مرقدي في صالة الجلوس على الكنبة . . بدل مشاركة سهيل في غرفته ، حتى لا يثقل وجودي عليه أو على حياة عامر وسهيل . . كل في غرفته الخاصة به ، يعيشا كما لو انني غير موجود ، فملابسي معطفه في حقيبتي الكبيرة التي اوضعتها في مخزن صغير . . كزاوية غير مرئية للزائرين ، واقضي اليوم كاملا منذ صحياني قبلهم خارج السكن ولا أعود إلا بعد الواحدة بعد منتصف كل ليلة – هي عادة درجت عليها منذ الأيام الاخيرة من الأسبوع الثاني من إقامتي - حتى إن تعبت ومللت من الخارج ، اقعد في قهوة جوار العمارة ارتشف الشاي . . الى أن تشير ساعتي على الواحدة صباحا ، وعند عودتي . . لمعرفتي بأنهم يسهرون حتى الفجر لأداء أعمالهم ومذاكرتهم التناقشية ، التي لم تعد غرفة علي مكانا مناسبا لها . . بعد مرور اكثر من خمسة أيام على وجودي معهم – كنت اجلس في الشرفة والجو شديد البرودة ليذهب بالنعاس عني ، ولتكن اجواءهم كما اعتادوا أن تكون في صالة الشقة . . قبل ظهوري عليهم ، فحالتي المرهقة وتمكن النعاس مني سيعكر عليهم مزاجهم – انتظر حتى أسمع اكتفائهم هذه الليلة , فأستلقي على الكنبة بعد توديع عامر لزملائه . . واطفاء الأضواء للذهاب الى النوم – أحيانا كنت اخرج مجددا بعد عودتي تلك . . مرتديا ملبس اثقل ، للجلوس في الجهة المقابلة للعمارة ، ارتشف الشاي من بائع عربية . . رأيته سامرا يبيع الشاي وسندويتشات كبدة دجاج أو قلوب حتى بزوغ ضوء النهار – كان مكانه لا يخلو من السامرين – اطيل جلستي . . ونظري مصوبا الى مخرج العمارة ، أن ألحظ خروج اخر واحد من زوار علي . . لأعود مسرعا . . قبل تأمين باب الشقة والذهاب الى النوم – لم اعد احتمل نظرات الاستهجان أو التثاقل لتأخري ، الحاملة ايحاء انعدام الإحساس بتجاوز حدود اللياقة الخجولة . . لضيف يفهم الأصول