كشف مترائيات العلمية والنقد العلمي (2- ج)
أمين أحمد ثابت
2025 / 2 / 24 - 12:56
وتجري عادة مسألة الخداع فيما هو متعلق ب المنهج العلمي والتي تلاك باستمرار بقول العلمية او الطرح العلمي وحتى النقد العلمي .ويمنح هذا الاستسهال في مستخدم العلمية بمعنى المنهجية العلمية . . بأنه يمكن استخدام أداة او اكثر من أدوات أسلوب البحث العلمي . . ويطلق على ناتج الحكم او الرأي او التنظير كطرح علمي !!!! – مثلا تؤخذ علامات او شواهد واقعية او متداول الحديث عنها عند افراد من النخب يسمون بالمثقفين او المفكرين – ك . . نخبة النخبة – وتستخدم أداة التحليل بالتعليلية السببية المادية او الواقعية ومن ثم تبنى على ذلك اطلاق الاحكام والتعميمات . وهنا فالخداع يقوم على أن الطرح المقدم بكونه اعتمد التحليل المادي للظاهرة او الموضوع موضع الدراسة ولهذا يسوق ذلك الطرح بالعلمية او الاتكاء على المنهجية العلمية في الاستقراء ، بينما الحقيقة أن أداة التحليل المستعارة من الأسلوب العلمي لا تكفي أن تطبع الطروحة او الرؤية بالعلمية المنهجية ، حيث تعد مدخل المعلومات مشكوك بصحة ودقتها المطلوبة ، بينما أدوات أخرى والنزعات المتغاض عنها تتحرك بشكل عفوي وعبثي خلال عملية التحليل ، التي هي إن دققنا موسومة بالذاتية او الشخصانية اكثر من أن توصف بالعلمية .
وفي الالتقاط التأثري او المحرض للمعرفة ( الزائفة ) عند الاخرين موضع التعلم او التثقف ، تتجلى حقيقة انخداعهم بتقبل تلك الطروحات ( عاطفيا ) على انها علمية وخاصة من يقوم بالتأثير او التحريض التوهيمي – بعلمية الرؤية او الموقف العلمي او العقلاني كمسألة المقاومة او الممانعة لفصيل مذهبي عصبوي - بينما تكمن حقيقة وجوده ونزعاته نحو امتلاك القوة والانفراد بها لتركيع بقية مكونات المجتمع وليس الى دوره كمحرر للمجتمع او الانسان او الوطن او القيم . وحين يعتمد المرء على سطحية الفهم في بناء الطرح النظري التحليلي او النقدي فإن قناعاته مبنية برخاوتها على أساس تلك السطحية في فهم العلمية ، ولذا ما يجده ويرده في تحليله النظري على انها مدخلات معرفية او مادية واقعية مثبتة – على أي أساس اعتمد ذلك . . لا أحد يفهم – بينما هي في حقيقتها غير دقيقة ولا يمكن الاعتماد عليها للوصول الى استنتاجات علمية محايدة عن ذات المنظر او المفكر ، ولذا فإن معطيات تلك المدخلات تمثل منتجات لبنية مترائيات توهم المرء بأنه على صواب عقلاني وعلمي في صحة تأويله عبر تلك المترائيات للوصول الى طروحته وبنية الاحكام والتعميمات التي يطلقها .
ف الترائي يقصد به عملية تشكل الاعتقاد او التصور تجاه امر او مسألة ما ويكون بأصله ليس اكثر من توهم خداعي للحقيقة – مثل السراب لظمآن في صحراء يسير في وقت اقصى درجة الحرارة ، حيث يهيئ السراب لنفسه عن بعد انه يرى ماء كثيرا فيظل يلاحقه ولا يجد شيء ، وأيضا حين يحصر المرء في ظرفية خانقة وتبدأ روحه نحو الاستسلام ( القهري ) ، فهناك بعض أناس يحدث عندهم ميول للهروب نحو افتراضات توهمها عقولهم بوصول منقذ او انه يفتح لهم منفذا للتحرر من هذا الاسر . . والحقيقة لا وجود لأحد معين ولكن هي تهيؤات يطلقها عقل المرء الباطني لتخدير الذات من الشعور بالاختناق او الذل القهري – كنوع من الهروب الدفاعي السلبي برافعة التوهم .
ولضرب مثال على خداع الترائي الذاتي لاكتساب زيف الوعي ، مثلا حول عناصر انتهازية من القيادات السياسية او الثقافية او الاكاديمية – وقد ثبت واقعا خلال سنوات طويلة انها تصرف كلاما منمقا او تنظيرا عن الشعب - او المجموع الذي يلتف حوله - وحاجاته وتطلعاته – وبفعل التطبع العقلي الملقن الإيماني ، فإن ذلك الجمهور المتلقي او المتحشد يكون بطبيعته كتابع طوعي لاعتقاده برمزية ذلك القائد او تلك القيادة ، فإنه يتلقى كل ما يطرح عليه كمسلمات غير قابل على التشكيك في أي شيء منه ، ولذا فإنه لا يدرك حقيقة انتهازية تلك القيادات التي اثبتت واقعا عبر مسار طويل من الزمن ، ولكنه يرى في من يهاجم تلك القيادات الفاسدة الانتهازية او يجاهرهم في عبوديتهم الطوعية دون دراية او ادراك . . ليسوا إلا حاسدين وناقمين وفاشلين و . . و , . و . .الخ – ومثال عن عناصر تهاجم مفكرا نبيلا اصيلا في معرفته وعلمه – لكونه يكشف عورة نوعيتهم ورموزهم الذين ينقادون إليهم طوعيا بسذاجة او لنفعية انتهازية يعتمدونها – فيسقطون عليه اوصافا واحكاما واتهامات حول طروحات له ونزعاته القذرة التي يخفيها – بينما في الحقيقة كل ما يطلق عنه ليس أكثر من تلفيق – ويستمرون في تسويق طروحاتهم تلك فيلتقفها اتباعهم المغرر بهم على انها طروحات صحيحة وصادقة وقيمية تكشف الدجالين المروج لهم كعلماء ومفكرين ، وتمنحهم وهم الارتقاء الذاتي معرفيا ليكونوا انفسهم شتامين ومقذعين للمفكرين في اعتقاد انهم يمتلكون وعيا علميا نقديا يفيد البلد واجياله القادمة بما يقيهم من الانخداع بوهم المفكرين أولئك .
إن فرق الترائي عن الحقيقة هو ذاته فرق القناع عن الوجه وهو ذاته الفرق بين الوهم عن الحقيقة ، فهي كلها بنى ونظم معرفية زائفة مخادعة وتلفيقيه تستبدل التوهمات بأصل الحقائق – وهذا ما عممته قيم السوق الاستهلاكية المطلقة لمجتمعاتنا العربية واليمن خاصة خلال القرنين الأخيرين على الحياة والواقع والانسان قيميا ، حيث أصبحت موهمات الثقافة السطحية السندويتشية العابرة تحل محل القيم الرفيعة للثقافة الرصينة والمسؤولة ، ويحل المنصب او رأس المال الطفيلي أو حامل الشهادة المتحصل عليها شراء يحل محل العالم والمفكر الأصيل الحامل شهادة علمية حقيقية ، وتحل أوهام التمني واضغاث الاحلام في واقع منهار قيميا محل الجهر بالحقائق المؤلمة ، ويحل التبطل والنزوع الى الجريمة بوهم انتظار فرصة ولو واحدة لجني ثروة بالربح السهل السريع بدلا عن التعليم – فالشهادات تفقرك ولا تغنيك .
اعتقد يكفينا حديثا بالعلمية والوطنية والتقدمية والأخلاق والمقيمين لكل شيء والقادرين على صناعة التغيير ( الخرافي ) ، ولنعتمد علما ومعرفة عصرية محايدة موضوعية المجال ، سنجد انها ستثمر إيجابا خلال زمن قصير من عمر المجتمع حيث سيتغير الواقع والانسان والمجتمع بانتقال الى حقيقة مغايرة جديدة متقدمة وليست توهمات كما عشناها منذ ال 70 سنة الأخيرة ، حيث هذا النهج الذي ندعو إليه يجعل مسار المجتمع والحياة متحررين عن الزيف والكذب وصناعة الأوهام ، فلا امنيات دون عمل مطلوب نرهن انفسنا بها ولا تشاؤم توهمي باستحالة الخروج عن عنق الزجاجة .