كشف مترائيات العلمية والنقد العلمي (2-أ)
أمين أحمد ثابت
2025 / 2 / 18 - 12:36
كنا قد تعرضنا سابقا لواحدة من اخطر التوهمات التي تطبع عقول النخب العربية بها ، والمتمثلة بطبيعة اعتقادهم بعلمية طروحاتهم ونقدهم العلمي – في مختلف مجالات المعرفة والنشاط المعرفي . . بما فيه السياسي والأكاديمي – بينما هي في أصلها ليست إلا توهمات تعرف طبيعتها ب المترائيات الحاكمة للرأي والطرح الفكري .
ولنعرف تمييزا في طبيعة تلك الطروحات المصورة لنا إن كانت حقيقتها كفكر علمي او نقد علمي أو انها طروحات مخادعة متشبهة أو محاكية للعلمية في الطرح – وهذا ما سنحاول تأصيله في تالي هذا الموضوع .
بادئ ذي بدء ، أولا كيف تميز العلمية والنقد علمي في الطرح من عدمهما ، ثانيا هل العلمية والنقد العلمي هما شيئا واحدا أم انهما يختلفان عن بعضهما ، وأخيرا ما المقصود المترائيات وكيف تعد نمطا من الأنماط المخادعة في الفكر .
ف العلمـــــية : يقصد بها إشارة إلى الطابع العلمي للفكر المطروح – تنظيرا أو نقدا .
وهذا الطابع العلمي : يقصد به عند عوام المفكرين والمثقفين أن الطرح الفكري المشار إليه موسوما ب النهج العلمي – وطبعا من ذات الاعتقاد أن يكون القصد بالنهج أن طابع الطرح الفكري معتمدا على الأسلوب العلمي و المنهج العلمي – والسؤال هنا ( المتجاهل عنه في ثقافة قيم السوق الراهنة ) . . هل الأسلوب العلمي هو ذات المنهج العلمي ؟
والحقيقة المفهومية النظرية تبين أن لفظتي أسلوب ومنهج من المركب الاصطلاحي اللفظ – أي الأسلوب العلمي والمنهج العلمي – ليسا ذاتهما من حيث المعنى والدلالة ، ولكن لتعقد العلاقة التكوينية البنيوية الفكرية بينهما قادت العناصر المفكرة من النخب العربية أن تستسهل الامر فكريا بأن يصبح كل واحد من اللفظين – أي منهج وأسلوب – يحمل ذات الدلالة الواحدة للآخر ، حتى أن عامة النخب المثقفة العلمية تشطح كثيرا في سطحيتها الفكرية في اعتبار كل لفظة تحوي نفس المعنى للأخرى !!! – وهنا نحتاج مجددا الى عملية تفكيكية لبحث فارق تلك الاصطلاحات اللفظية .
ف العـلــــم : يقصد به كل مجال تخصصي عام او دقيق ك – علم البيولوجي وعلم التشريح – حيث تقوم طروحاته النظرية على أساس من واقع التجربة او التطبيق الميداني المعتمد على النهج المادي في الملاحظة والتتبع ومبحث السببية المادية لذا الظاهرة الواحدة أو علاقتها بالظواهر الأخرى القريبة شبها معها أو المختلفة من حيث علاقة التأثير المباشر او غير المباشر معها من خلال علاقة تبادل التأثير بين تلك الظاهرة والبيئة المادية المحيطة بكل ما تحتويه من عوامل وظروف وصفات وسمات مختلفة – من المادة الحية وغير الحية . وذات طابع النهج للمعرفة النظرية الموضوعة فيما يخص تخصصات المجالات الفكريةالمجردة في (العلوم الإنسانية ) ،حيث تعتمد على ( المنطق المادي ) المشابه استعارة من العلوم الطبيعية والتقنية المادية في أصل طروحاتها – ويفرق بينهما أن المنطق المادي في الطروحات الفكرية المجردة في العلوم الإنسانية تبنى أصلا على الافتراض المادي المعتمد على التطبيقية الميدانية للظاهرة الإنسانية المدروسة مجاليا ، حيث تكون العوامل المثبتة والمتغيرة رخوة يتحكم في متغيرها الباحث أو طارح الفكر المجرد النظري ، بينما في العلوم الطبيعية والتقنية المادية يكون هناك ثبات نسبي للعناصر او العوامل المتأثرة والتي تعرف ب العوامل الثابتة بينما العناصر او العوامل المؤثرة المعروفة ب العوامل المتغيرة فإنها التي يمكن التحكم بها – أي تغيير قيمها - من قبل الباحث في الطبيعيات والتقنية المادية وعند مفكريها النظريين ، بينما في العلوم الإنسانية فإن كل من بنيتي العوامل المختلفة سابقة الذكر يمكن للباحث فيها أن يغير في كل من نوعي العوامل خلال التجريب التطبيقي الميداني او من قبل المفكر النظري في مجال الفكر المجرد . . يقوم ذلك على الافتراض العقلي المنطقي بتغيير قيم أي من بنيتي العوامل المختلفة سابقة الذكر – أي تغيير حتى فيما تعد عناصرا أو عوامل ثابتة ، والتي في العلوم الإنسانية هي قابلة في يد الباحث والمفكر النظري أن يغير فيها افتراضا كما يشاء – وهو عكس تماما للنهج العلمي في الطبيعيات .