الجدليات السوسيولوجية .. تركيبية لا تفاضلية
ثامر عباس
2025 / 2 / 14 - 07:55
حين تمكن الفيلسوف الألماني (كارل ماركس) من إعادة موضعة المنهج (الجدلي) المؤمثل ، وذلك بجعله يقف على قدمية بعد أن كان قائما"على رأسه . كان قد حقق نقله ثورية في عالم الفكر وقوانين المنطق ، ليس لأنه (فضّل) الواقع على الفكرة على عكس ما كان ينظّر له أستاذه ومثاله (هيجل) في طروحاته ، التي مضمونها أن الفكرة هي التي تقود الوقع وهي التي تتحكم بسيروراته وتحدد مساراته فحسب . وإنما أعاد صياغة العلاقة القائمة ما بين الأول والثانية بصورة جذرية ، بحيث أنها لا تقوم على أساس (الأسبقية) في الوجود و(أفضلية) التأثير في الوعي ، والتي كان من شأنها الإفضاء الى الفصل التعسفي بين كلا المعطيين الجدليين ، بقدر ما تتمأسس على نمط من البنى (التركيبية - التفاعلية) التي من خصائصها استدعاء عناصر كل من الواقع والفكرة معا"، في حال تحديد طبيعة ظاهرة من الظواهر أو تعيين واقعة من الوقائع ، ومن ثم بيان السيرورات التي ستتفاعل وستتمفصل في أتونها خلال ديناميات التطور .
وفي إطار البحوث والدراسات التي تهتم بهذا الشأن من المواضيع السوسيولوجية ، فقد ذهبت آراء الكتاب والباحثين مذاهب شتى بخصوص تحديد العامل / العنصر المسؤول عن صيرورة أو تشكيل ظاهرة من الظواهر الاجتماعية والإنسانية ، لاسيما على صعيد الأولوية أو الأفضلية التي يتمتع بها هذا العامل أو ذاك مقارنة ببقية العوامل الأخرى . والحال ، انه قلما أصاب هؤلاء وأولئك في تشخيص العامل / العنصر الذي هو بمثابة المحور الذي ترتكز عليه الظاهرة والمعنية وتدور في فلكه ، ذلك لأنه – ببساطة - لا وجود لمثل هكذا عامل يستطيع - لوحده - تفعيل ديناميات الظاهرة المقصودة أو توجيه مسارها . وإنما يتوجب على كل باحث مراعاة حقيقة سوسيولوجية غاية في الأهمية مفادها ؛ ان أية ظاهرة اجتماعية / إنسانية هي حصيلة تضافر عوامل عديدة ومتنوعة ، سمتها الأساسية التفاعل البنيوي والتخادم الوظيفي . قد نلاحظ - في إطار السيرورة الإجمالية - أن هذا العامل / العنصر يتقدم على نظرائه في سياق تاريخي معين ، إلاّ انه في سياق آخر يتخلى عن مركزه المتصدر لعامل / عنصر ثان كان يشغل مراتب ثانوية في تلك السيرورة ، وهكذا دواليك . ولكن في المحصلة النهائية تبقى الظاهرة الاجتماعية / الإنسانية مدينة بصيرورتها لجميع العوامل ، حتى ولو كان دورها ثانوي وإسهامها نسبي .
وفي خضم هذه التباينات في الرؤى والتصورات التي يبدو أنها لم ولن تحسم ، طالما كان الهاجس (الإيديولوجي) هو من يقود مواقف الكتاب والباحثين مثلما يؤطر توجهاتهم ويحدد خياراتهم ، فقد تم تجاهل حقيقة سوسيولوجية أخرى تتعلق بالكيفية التي تتفاعل بموجبها عناصر الظاهرة الاجتماعية / الإنسانية ، ومن ثم تتشكل ملامحها وتتبلور طبيعتها . فعلى خلفية سيادة الإيديولوجيات الليبرالية والراديكالية والطوباوية ، تناسى القوم ان طبيعة وحراك الواقع الاجتماعي يختلفان جذريا"عن ماهية وتطور النماذج الفكرية التي يحملها هذا الكاتب / الباحث أو ذاك ، الأمر الذي يتطلب تجريد الظاهرة المراد دراستها من كل ما ينسب إليها من تصورات ومسبقات لا تمت إليها بصلة ، أو تفسير دورها ووظيفتها بما لا يتناسب وطبيعة الخلفيات والمرجعيات التي استوجبت حضورها في الوعي ووجودها في الواقع .
ولعل من أهم الأمور التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار حين نعتزم دراسة الظاهرة دراسة علمية وموضوعية ، هي البدء بحقيقة أن الجدليات السوسيولوجية التي تتفاعل مكوناتها على أرض الواقع ، لا تجري وفقا"لمخطط جرى إعداده مسبقا"، أو بناء على تسلسل تم ترتيبه من قبل ، بحيث لن يكون هناك ما يحرجنا عندما نلجأ (للمفاضلة) بين هذا المكون أو ذاك ، هذا العامل أو ذاك . كأن نفترض ان العامل (السياسي) هو ما يحدد طبيعة الظاهرة المعنية ويسبغ عليها قيمه ، أو أن نرشح العامل (الاقتصادي) كفاعل أساسي في كينونة تلك الظاهرة وما يتمخض عنها من معطيات ، أو أن نختار العامل (الديني) كمؤشر لمعرفة خصائصها النوعية وأنماط تداعياتها الاجتماعية والثقافية ، الخ .
وبضوء ما كشفت عنه البراديغماتيات والمنهجيات المعاصرة ، بصدد تكوين الظواهر الاجتماعية والإنسانية وبيان ديناميات اشتغالها وأنماط تفاعلها وسياقات تمفصلها ، فقد تبين أن القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها تلك الظواهر ، والتي يجب مراعاتها دائما"مع كل خطوة نخطوها في مسار البحث أو الدراسة ؛ وهي أنها تقوم على مبدأ (التركيب) التفاعلي ليس فقط بين (العوامل) المسؤولة عن صيرورة ظاهرة من الظواهر فحسب ، بل وكذلك بين (الظواهر) ذاتها من حيث موقعها في البنية الاجتماعية ، ووظيفتها في النسق الثقافي ، ودورها في السياق التاريخي ، وتأثيرها في المهاد السيكولوجي . وإذا ما أخذنا كل هذه الأمور بنظر الاعتبار ، واحتكمنا إليها في استخلاص الاستنتاجات ، سنجد انه لم تعد أمامنا مغاليق سوسيولوجية يصعب فتحها ، أو عوائق فكرية يتعذر تخطيها .