النخب العربية وأوهام تحرير العقل ( 2 )


أمين أحمد ثابت
2025 / 2 / 12 - 14:07     

يظهر العقل العربي متعاملا دوما مع أية ظاهرة أو مسألة أو قضية أو موضوع من خلال العمومية في الاستقراء الفهمي – حتى لو كانت الظاهرة فردية بخصوصيتها الذاتية – لا يجوز بحثها في بنية العموم إلا بعلاقتها الاقترانية المفترضة مع ظواهر أخرى قريبة منها ، أما دراسة المبحث في ذات الظاهرة فلا ينفع علميا معها إلا البحث من خلال فرديتها في كل ما يخص طبيعة الظاهرة واركانها ونسقية بنيانها وطابع آليات نشاطها هذا غير تجلياتها المضمونية وتجسداتها الظاهرية خارجيا . . إلخ .
فمثلا يبحث الموضوع المطروح كمسألة واحدة ، أي بمنطق استنطاقي :
( عربيا لا وجود لعقل متحرر )
، ( تحرير العقل ليس سوى وهما أو كذبة ) . . إلخ .
بينما المسألة للموضوعة المطروحة مكونة من بنيتين مفهوميتين متقابلتين متعلقة بالعقل البشري ، حيث البنية الأولى معبرا عنها ب ( بنية التوهمات ) او من عدمها بالنسبة للعقل
، أما البنية الثانية فمعبر عنها ب ( بنية التحرر ) او من عدم وجودها حقيقة في طابع العقل .
، وطالما المشترك بين البنيتين متعلق ب ( العقل ) ، فيفترض تناول مسألة العقل تشريحا تحليليا معرفيا لمكون العقل في أصل طبيعته الذاتية ( المادية كدماغ عضوي حيوي والمجردة كفكر ، وهو استنطاق لبنية كليهما وآليات عملهما وتجسد أثرهما وادراك وجودهما وفعلهما حسيا ) .
وبطرح تساؤلي آخر ، كم من حجوم الأوهام والمتوهمات العالقة بعقل المرء والمسيطرة على بنية فهمه للأمور الأخرى او الحكم عليها او حتى طريقة التعامل معها . . تفرض حقيقة الحكم على ذلك العقل بكونه ( غير متحرر ) ؟ ؟ .

وعليه ، يمكن القول سريعا وبشكل مقتضب أن ( العقـــل ) هو منتج عالي التجريد المركب شديد التعقيد لعمل الدماغ البشري . ولذا حين يتجادلون المفكرون والمثقفون والعلماء ورجال الدين في مسألة العقل او البصيرة أو الإدراك أو الفهم أو الاعتقاد . . إلخ وبجهل مطلق أو نسبي عام في مسألة الدماغ فإن جدالهم ليس أكثر من سفسطات مغلوب عليها من خلال البنى الاعتقادية التعصبية القبلية عند كل واحد منهم – وبحكم منطقي جاهز حكما فيما سبق ، أن مثل تلك النقاشات الجدلية ضعيفة – وهو ما لا يدركه أصحابها – وأنها لا تنتج فينا سوى ثقافة مثقبة تطبع عقولنا بالمتوهمات والمعرفة المفككة وغالبا ما تقوم على الاحكام ليس إلا .
وبتعبير آخر قبل الخوض في مسألة العقل يلزمنا أولا الإدراك المعرفي الخاص والشامل للنظامية العصبية الدماغية والحواس العصبية وآليات نشوء الإدراكات مساراتها العصبية المنتجة ما يعرف بنشوء وتكون الإدراك ( الغريزي والفكري المجرد ) – دماغيا ومن ثم بتجلي يخص نوع الانسان في سمته الغائية في معبر العقل .
وعليه فإن تحدثنا عن ( أوهام العقل ، أو توهمات العقل ، أو العقل المتوهم ، أو العقل الزائف . . إلخ ...) ، فإنها بقدر ما تعد استنطاقات حكمية معدة بصورة مقولبة كمفاهيم ، والتي تعتمد على القياس المنطقي المجرد للفكرة في أن تكون مقبولة عقليا حين نضعها للتحليل المنطقي شبه العلمي ، بينما من حيث الإدراك العلمي المعرفي فإن حديث العقل الزائف او المتوهم . . فإنه ليس إلا نتاجا لحديث عن الدماغ القابلة آلياته الحسية العصبية أن تنقل معرفة مجردة زائفة انتجها المخ البشري المطبوع بقابليته ل ( الانخداع ) ، وهنا فإن البنية المفهومية لزيف العقل أو توهمه لا يعد إلا تجليا لخصوصية عمل دماغ المرء وتجسدا لمنتج عمله المجرد فكريا ، القابل للانخداع .

يتواصل الموضوع في الحلقة القادمة