مثقفو الطوائف وفتوحات عصر الذكاء الاصطناعي !
ثامر عباس
2024 / 10 / 11 - 11:58
مثقفي الطوائف وفتوحات عصر الذكاء الاصطناعي !
إذا ما استبعدنا مثقفي بلدان العالم المتقدم (الغربي) عن دائرة المناقشات والمجادلات ، إزاء طبيعة آرائهم ومواقفهم وتوقعاتهم حول فتوحات عصر (الذكاء الاصطناعي) وما يخبئه من نذر ومحاذير أو بشائر ومفاخر ، باعتبار كونهم ينتمون الى ذات البيئة التاريخية والحضارية والمعرفية التي ساهمت بخلق الأسس العلمية والمقومات التكنولوجية ، التي كان من شأنها تطور العقل الإنساني والارتقاء بمقومات وعيه الى مديات سامقة ، لم يكن - قبل عقدين أو ثلاثة – حتى مجرد التفكير بها ناهيك عن تخيل أبعادها . بحيث ان كل مرحلة من مراحل التقدم العلمي والتطور المعرفي تأتي في سياقات اجتماعية وثقافية ونفسية (مهيأة) على نحو مسبق مما يتيح الانفتاح عليها واستقبال معطياتها ، دون حصول تصدعات بنيوية وأزمات إنسانية تطال كيان المجتمع بعموم جمهوره من العامة والخاصة .
والحال ، إذا ما أتيح لنا مقارنة ما تقدم على صعيد تعاطي مثقفي بلدان العالم المتخلف (الشرقي) مع تلك الفتوحات المتسارعة وما قد يتمخض عنها من نذر ويترتب عليها من مخاطر ، فالواجب يستدعينا بداية مراعاة الخصائص النوعية للبيئة التاريخية والحضارية والمعرفية التي ينتمي إليها هؤلاء (النخبة) ، قبل أن يصار الى البحث في طبيعة آرائهم ومواقفهم وتوقعاتهم حيال حصائل ونتائج ثورات (الذكاء الاصطناعي) المتسلسلة من حيث التتابع والمتناسلة من حيث الانتشار ، والتي لا تني تستدعي فقط هواجس الخوف والقلق لدى شعوب البلدان (الرائدة) في هذا المجال البايوتكنولوجي فحسب ، وإنما تثير الرعب والهلع لدى نظيرها شعوب البلدان (الراكدة) التي طالما كانت سرعة الانجازات العلمية وتوالي الابتكارات التقنية تباغتها وتفاجئها ، إن لم تكن تحبطها وتجعلها في حالة من اليأس القنوط ، على خلفية اتساع البون وبعد الشقة بينها وبين المراحل المعرفية والحضارية التي قطعتها شعوب العالم الأول .
ومن هذا المنطلق ، يمكننا تصور الكيفية التي يصوغ من خلالها (مثقفي) البلدان المتخلفة تصوراتهم ومواقفهم ، ويعينوا طبيعة ردود أفعالهم وسلوكياتهم ، ويرسموا حدود تطلعاتهم وتوقعاتهم ، ويتاح لنا ، بالتالي ، الحكم على قدراتهم وإمكاناتهم في مواجهة المفاجآت والتحديات التي من المؤكد أن مخرجات (الذكاء الاصطناع) المتزايدة والمتسارعة ، ستزعزع معمارهم المعرفي المتهالك ، وستطيح بالكثير من ثوابت أفكارهم المبتسرة وتصوراتهم التقليدية التي ألفوها وتآلفوا معها ، ليس فقط حيال الديناميات والسيرورات التي تتطور بموجبها المجتمعات المتقدمة والمتخلفة على حدّ سواء فحسب ، بل وكذلك إزاء الخيارات والمسارات والمئالات التي ستتجه إليها في المستقبل .
ولأن البنية الفكرية – المعرفية لمثقفي البلدان المتخلفة بنية رثة ومتآكلة لا تقوى على مغادرة معازلها الميثولوجية وأنساقها التصورية ، فالمؤكد إن تعرض حاملي تلك البنية لصدمات عصر (الذكاء الاصطناعي) وما تحمله معها من زلازل ونوازل ، من المرجح أنها ستطيح بكل ما تواضع عليه الإنسان من قيم ومبادئ ومثل على مدى أجيال متعاقبة ، ستجعلهم في حالة من التيه والتخبط لا يحسدون عليها . ففي الوقت الذي لم يبرح فيه مثقفي (الطوائف) من التمترس والتخندق خلف انتماءاتهم البدائية وهوياتهم الهامشية وثقافاتهم الفرعية ، ويحرصون كل الحرص على ثبات ولاءاتهم العصبية للجماعات المتشظية على أساس (القبائل / العشائر) ، والمتذررة على أساس (المذاهب / الطوائف) . فان فتوحات ومخرجات عصر (الذكاء الاصطناعي) وصلت الى حدّ إن كينونة الإنسان ذاته باتت محط شك وتساؤل ! ، لا من حيث طبيعته الاجتماعية ونزعته الحضارية التي جبل عليها فحسب ، وإنما من حيث ماهيته البايولوجية كمخلوق بشري وتكوينه السايكولوجي كنوع ثقافي أيضا".
وهكذا ، فالأرجح ان عصر (الذكاء الاصطناعي) التي باتت ملامحه تتكشف يوما"بعد يوم ، سيكون وبالا"على مجتمعات البلدان المتخلفة والمتخلعة ، ليس لأن ما يفصلها عن مسارات التطور العلمي والحضاري التي خاضت غمارها مجتمعات الغرب المتقدم سنين ضوئية ، بحيث ان أي متغير يطرأ على تلك المسارات سرعان ما يجد صداها وقد انعكس بصيغ من الأزمات والتصدعات والصراعات فحسب ، وإنما لكونها أدمنت حالة العبودية السياسية والعطالة الفكرية والقطيعة الحضارية . ولتدارك الوقوع في هذه المحنة – الكارثة ، أو على الأقل التخفيف من شدة وطأتها والتقليل من زخم ارتداداتها ، لا مناص أمام (مثقفي) هذه البلدان المتخلفة من إعادة التفكير بكل ما ألفوه من تصورات وتمثلات ، وتواضعوا عليه من علاقات وهويات ، وإلاّ فان طوفان هذا العصر المرعب سيحيلهم الى كائنات ممسوخة أشبه ما تكون بالمومياءات المتحجرة لما قبل التاريخ ! .