الخطاب الثقافي والأجيال البينية : قراءة في اجتهادات أستاذ الانثروبولوجيا في الجامعة المستنصرية (جعفر نجم نصر)
ثامر عباس
2024 / 7 / 26 - 10:26
الخطاب الثقافي والأجيال البينية
قراءة في اجتهادات أستاذ الانثروبولوجيا في الجامعة المستنصرية (جعفر نجم نصر)
ثامر عباس
في المجتمعات التي قطعت شوطا"كبيرا"في مضمار التقدم العلمي والتطور المعرفي والرقي الحضاري ، عادة ما تحتفي المؤسسات الثقافية والفكرية في اجتراح أحد مفكريها أو باحثيها (مصطلح) أو (مفهوم) جديد في مضمار العلوم الاجتماعية والإنسانية ، من حيث كونه لا يعكس فقط مستوى التجريد النظري للخطاب الفكري – الثقافي السائد في المجتمع المعني فحسب ، وإنما يعبر عن قدرة صاحب الخطاب على اختزال وتكثيف عمليات التفاعل بين عناصر الظاهرة الاجتماعية قيد البحث ، وتقديمها ، من ثم ، في إطار لغوي معبّر يجمع بين اختصار المعاني ووضوح الدلالات .
ورغم ان ما يبذله بعض الباحثين والأكاديميين العراقيين من جهود فكرية في دراساتهم وأبحاثهم التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية والدينية عن طبيعة المجتمع العراقي ، فضلا"عما يستخلصونه من آراء وأفكار وتصورات أثناء تحليلاتهم وتأويلاتهم لما جرى ويجري لجماعاته السوسيولوجية ومكوناته الانثروبولوجية ، لاسيما ما يتعلق بتحولات الوعي وانسلاخات الهوية واحتقانات السيكولوجيا التي لا يفتأ هذا المجتمع من الانخراط في أتونها والعيش في أزماتها والاكتواء بلظى صراعاتها . فان تلك الجهود قلما وجدت لها آذان صاغية من لدن الجهات الحكومية المسؤولة عن هذه الميادين والمجالات ، فضلا"عن إثارة اهتمام شرائح (النخبة) المفروض بها التعاطي مع تلك الجهود من باب التحليل والتأويل والتفسير لما تنطوي عليه من طروحات واستنتاجات ، سواء بالرفض لها والإعراض عنها أو القبول بها والموافقة عليها ، مع الإشارة – بالطبع – الى مسوغات هذا القبول أو ذاك الرفض .
ولعل هناك من يعتقد – وهو محق نسبيا"– ان هذه الضروب من التجاهل المتعمد والإهمال المقصود إزاء تلك الجهود ، ناجمة بالأساس عن شيوع مظاهر الجهل الفكري والأمية الثقافية والعدمية النقدية بين أغلب عناصر نخبنا المحلية ، فضلا"عن تزايد ميلها للركون الى المألوف من التصورات ، والسائد من التمثلات ، والشائع من الانطباعات . وذلك من منطلق كونها مثابات مترسخة ومنطلقات قارة ، لاسيما وان خصائص المحيط الثقافي الذي تنشط في رحابه وتتغذى من قيمه وتحتكم الى رموزه ، ساهم – ويساهم – في تعزيز تلك المظاهر وأضفى عليها هالة من المشروعية المعرفية والقيمية التي ما كان لها الاستمرار لولا تواضع مكونات المجتمع بمختلف تلاوينها على قبولها والاسترشاد بها ، هذا بصرف النظر عما تنطوي عليه تلك التواضعات من اختلاف في الوسائل وتباين في الغايات .
وفي هذا الإطار ، فقد لفت انتباهي – وأنا أطالع ما كتبه أستاذ الانثروبولوجيا في الجامعة المستنصرية ، الأكاديمي والباحث (جعفر نجم نصر) على صفحته الفيسبوكية – خلال أحدى مساهماته الفكرية بصدد العلاقة بين خطاب (النخبة) المثقفة من جهة ، واستيعاب (العامة) القارئة لذلك الخطاب من جهة أخرى . حيث تضمن مقاله الموسوم ( تجديد الفكر الإسلامي : تجاوزا"لجدلية العامة والنخبة – البحث عن جيل بيني ثالث (فكرة أولية) ) استخدامه مصطلح (الجيل البيني) كأداة تحليلية يفسّر من خلالها ويبرر الضرورات السوسيولوجية والابستمولوجية لميلاد (جيل) جديد من الجمهور ، يجمع بين علمية ورصانة الخطاب الثقافي لعناصر (النخبة) من جانب ، وبين شفافية وواقعية التعبير عما تهجس به معطيات الواقع الاجتماعي لجمهور (العامة) من جانب ثان . بحيث يستطيع هذا (الجيل الثالث) أن يتجاوز عيوب ومثالب خطابات وطروحات (النخبة) القديمة وما تنطوي عليه من غموض وتعقيد وتجريد من جهة ، ويتمكن ، من جهة ثانية ، من بلوغ ما تهدف إليه الفكريات الحديثة والمنهجيات النقدية من تغييرات بنيوية وتحولات حضارية ، بما يتوائم وطبيعة المجتمع المعني ومستوى وعي مكوناته . ذلك لأننا – كما يستطرد الأستاذ جعفر (( نحتاج الى الجيل الثالث بيني (عامي / نخبوي) قريب من شؤون العامة وهمومها وقريب من لغة العلم المتواضعة / الأخلاقية الهادفة )) .
ولعل هناك من يعتقد ان استخدام هذا المصطلح (الجيل البيني) من قبل الأستاذ (جعفر) ، لا يعدو أن يكون مرادفا"لمفهوم (المجايلة) الذي توسع في شرح معانيه وتحليل مضامينه سابقا"المؤرخ العراقي المعروف (سيّار الجميل) عبر مؤلفه الموسوم (المجايلة التاريخية : فلسفة التكوين التاريخي) . وحيال ذلك نسارع للقول ؛ انه وأن يبدو للناظر تقارب دلالات كلا اللفظين في مجال موضوع البحث المطروح ، إلاّ ان دراسة متأنية ومتمعنة تظهر ان هناك من الاختلافات والتباينات ما يفضي الى تخطئة تلك النظرة المبتسرة ودحض انطباعاتها القاصرة . حيث تظهر المقارنة المعرفية والمنهجية بين معاني ودلالات كل من (المصطلح) و(المفهوم) آنفي الذكر ، الى ان الأخير انتهج خلال البحث والتقصي عن العلاقات والتصورات والمآلات المسار (الجدلي – التفاعلي) بين ميادين التاريخي والثقافي والسوسيولوجي . هذا في حين وقع خيار الأول على المسار (الخطابي – الشعبوي) للكشف عن المقاصد والغايات التي أريد له الاحتكام إليها والبناء عليها والتعبير عنها .
والحقيقة لسنا هنا في وارد المفاضلة بين القيمة المعرفية والمنهجية لكل من (المصطلح) و(المفهوم) في مجال التحليل والتأويل للظواهر الاجتماعية المتوالدة والمتناسلة ، بقدر ما أريد (الإشادة) و(الإشارة) الى أهمية الجهود والمساعي التي بذلها الأستاذ (جعفر) في ارتياد مثل هذه المجالات النظرية ، التي من شأنها فتح المزيد من آفاق البحث ومداخل الدراسة لكل ما يعانيه المجتمع من احتقانات وانقسامات وكراهيات وصراعات ، ليس فقط في شؤون السياسة والاقتصاد والدين والتاريخ فحسب ، وإنما في قضايا الثقافة والوعي والهوية والسيكولوجيا أيضا". وفيما يتعلق بتبعات وتداعيات ما تنطوي عليه مثل هذه المصطلحات (الجيل البيني) ، نأمل أن تكون لنا عودة لاستعراضها في مواضيع أخرى لاحقة بإذن الله .