العشائر والشعائر : الفزعة القبلية والنزعة الاستعلائية !


ثامر عباس
2024 / 6 / 12 - 20:15     

العشائر والشعائر .. الفزعة العصبية والنزعة الاستعلائية !


في المجتمعات التي تنام وتصحو على إيقاع عنف الجماعات الأصولية المنفلت من عقاله ، واستشراء نوازع العدوانية للأصوليات والعصبيات المتكارهة والمتباغضة ، فان بحوزة كل جماعة سوسيولوجية أو مكون انثروبولوجي مجموعة من الممارسات الشعائرية والأنشطة الطقوسية ، التي أشبه ما تكون بالفروض الدينية واجبة الطاعة وإلزامية التنفيذ . ولأن طبيعة العلاقات داخل مؤسسة (العشيرة) لا تعتمد في تلبية ضروريات تكوينها ، وتأمين شروط ديمومتها على مصدر خارجي يفرض عليها خصائص القيم وأنماط السلوك التي ينبغي اعتمادها . فهي عادة ما تميل الى التماسك الداخلي بين أعضائها والتخادم البيني على مستوى مكوناتها ، ليس فقط لدرء المخاطر الخارجية التي تهدد وجودها الاجتماعي وكيانها الحضاري فحسب ، وإنما لضمان استمرار تداول العادات والأعراف والتقاليد المتوارثة التي تمدّ جسور هويتها الحضارية والثقافية بين أجيالها السابقة واللاحقة أيضا".
وكأي جماعة (عصبية) ، فان (العشيرة) دائما"ما تكون بحاجة ماسة لممارسة بعض (الشعائر) و(الطقوس) التي من شأنها الحفاظ على كيانها الاجتماعي ، وتعزيز الروابط الأسرية والصلات القرابية والعلاقات الاجتماعية ، بحيث تشدّ الجميع الى ثوابت أروماتها التاريخية والثقافية والقيمية والرمزية واللغوية . ولعل من أبرز تلك (الشعائر) التي تحرص (العشائر) كل الحرص على تكريسها في الوعي وديمومتها في السلوك ، هي الاعتزاز بكل ما يعبر عن خصوصيات العشيرة المعنية (أصول حتى ولو كانت مختلقة ، ومواريث حتى ولو كانت ملفقة ، وسرديات حتى ولو كانت مصطنعة ، والتفاني بالدفاع عن قيمها حتى ولو كانت عصبية ، والذود عن أعرافها حتى ولو كانت استعلائية ، والمنافحة عن رموزها حتى ولو كانت أسطورية . ولعل هذه المظاهر من (الاعتزاز) المتطرف و(التفاني) المتعصب قمينة باستتباع مجموعة من التصورات والتواضعات والممارسات المستهجنة أخلاقيا"وحضاريا"وإنسانيا"، يمكن إدراجها ضمن اصطلاحين أساسيين يفضي أحدهما الى مجال الآخر هما ؛ (الفزعة العصبية) و(النزعة الاستعلائية) ، مع ما يتمخض عنهما من تداعيات اجتماعية وتبعات نفسية غالبا"ما كانت عوامل هدم لكيان المجتمع ومسخ لشخصيته ونسخ لهويته .
ففيما يتعلق بخاصية (الفزعة العصبية) التي تعتبر حجر الأساس في بناء المكون العشائري ، فقد ساهمت هذه الخاصية الانثروبولوجية على امتداد تاريخ المؤسسة (القبلية / العشائرية) في إذكاء الروح العدوانية بين أفراد العشيرة الواحدة لأسباب تتعلق بالأدوار والوظائف والمكاسب من جهة ، وفيما بين القبائل والعشائر المختلفة لأسباب تتعلق بالمصالح الاقتصادية والوجاهات الاجتماعية والزعامات السياسية من جهة أخرى . واللافت في الأمر ان القاسم المشترك بين الحالة الأولى والحالة الثانية ، هو الاحتكام الى لغة (القوة) واستخدام (العنف) بين المتنافسين والمتخاصمين ، بصرف النظر عن أهمية الأسباب الباعثة لهذا التصرف أو قيمة الدوافع المؤطرة لأنماطه وأبعاده . لا بل ان الطرف الذي يسعى لحل مشاكله وتسوية أموره عن طريق (القانون) باللجوء الى مؤسسات الدولة ، لا يعاب فقط في رجولته ويطعن في كرامته من جانب أٌقرانه فحسب ، بل وكذلك يفقد حقوقه كفرد وتهدر قيمته كانسان . من منطلق ان الفرد الذي لا يأخذ (حقه) بقوة يده ، ولا يفرض (هيبته) بصلابة إرادته ، لا يعد – وفقا"للقيم والأعراف العشائرية - رجلا"يستحق الاحترام والاعتبار .
وحين يعيش الفرد (العشائري) في بيئة اجتماعية من هذا النمط العدواني والاقصائي ، لا يمكن إلاّ أن يكون شديد الاعتداد بنفسه وكثير التحمس لعشيرته من جهة ، وشديد الازدراء لغيره وكثير التحسس إزاء آخره العشائري من جهة أخرى . ولعل هذه الحالة الشعورية المليئة بالزهو البدائي والمفاخرة الاستعراضية كفيلة بتضخيم أناه (المستقوي) بغيره ، وتعظيم نزوعه (المستعلي) بما ليس فيه ، على كل من يتموضع في الجانب الآخر من طيف الانتماء التحتي (العشائري) والولاء الفرعي (القبائلي) . بحيث لا يني إحساسه الذاتي يتوسع ويتعمق إزاء قيمة الحدود المكانية والفوارق الاجتماعية والحواجز النفسية الفاصلة بين (النحن) الأفاضل و(الهم) الأراذل ، والتي رسختها في وعيه وأوجبتها في سلوكه تلك البيئة المتشظية والمستقطبة .
وكما في كل حالات (المفاضلة) العصبية (الاثنية والقبلية والمذهبية والمناطقية) التي تستبطن شعائرها وتجتاف قيمها الجماعات العشائرية ، فان عواقب هذا الضرب من مشاعر (الاستقواء) و(الاستعلاء) كفيلة بإجهاض قيم التعايش السلمي بين المكونات السوسيولوجية والانثروبولوجية من جانب ، والإجهاز ، من ثم ، على كل ما يمت الى روح (المواطنة) الحضارية بصلة من جانب ثان . وهو ما يؤدي ، في نهاية المطاف ، الى جعل المجتمع بمثابة بركان يغلي بالكراهيات المدمرة ويتفجر بالصراعات المهلكة ، التي كان العراق – ولا يزال – مسرحا"لها طيلة العقود الماضية . ولهذا فان ما يشاع في الندوات التلفزيونية واللقاءات والمؤتمرات والقنوات الفضائية ، حول دور (العشائر) العراقية في توطيد السلم الأهلي وتحقيق الاستقرار الاجتماعي ، لا يعدو أن يكون (فرية) لا أساس لها في الواقع . ذلك لأن (العشائر) ما كانت يوما"– ولن تكون في المستقبل – مصدرا"لترميم المتصدع في بنائنا الاجتماعي ، وترصين المتخلع في كياننا الحضاري .